الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي
218
محجة العلماء في الأدلة العقلية
هو بعينه الذي كانوا يتمسكون به في الأصول مع أن من المعلوم انه لا يعقل اقدام هؤلاء العلماء على التعويل على الظنون في أصول الدّين وان كانت معتبرة في الشريعة علمنا أن ما كانوا يعولون عليه في جميع هذه الموارد انما هو الاطمينان فان ما كانوا يعولون عليه في الفروع لا بد ان يكون بحيث لو دل على أصل من أصول الدّين وجب الركون اليه أيضا فان المفروض انهم لا يفرقون في الحجيّة بين ان يكون مفاد الحجيّة أصلا أو فرعا فثبت بشهادة هؤلاء ان أحدا من الاماميّة لم يعول على الخبر المجرد وان كان راويه اماميا عدلا بل في غاية الوثاقة وكلام آية اللّه العلّامة أعلى الله في الفردوس مقامه اظهر في هذا المعنى وأصرح حيث إنه قال إن الأخباريين من الاماميّة لم يعولوا في أصول دينهم الّا على الاخبار الآحاد التي لا يعولون في فروعهم الّا عليها ومن المعلوم ان فيمن تقدم على المفيد قده ليس من أصحابنا غير الأخباريين الّا الأقل واطباق هؤلاء على حصر المدرك فيما لا يفيد العلم بديهىّ الاستحالة عند من له خبرة بمقاماتهم فالآحاد التي يرى العلامة قده ان الاماميّة يعولون عليها لا بد أن تكون صالحة لاثبات أصول الدّين بها ولعمري ان هذه نعم الآحاد وما أحسن هذه الشهادة وما أصدقها فكفى بمثل العلّامة قده شاهدا على أن الذي يعول عليه في الفروع هو الذي يعول عليه في أصول الدّين عند أساطين الفرقة وسلفهم والّذين عاصروا الأئمة عليهم السّلام وقاربوا اعصارهم وانتشر العلم منهم وكيف كان فاعتمادنا في حجيّة الاطمينان على البرهان وقد ظهر انه لولاه لم يكن العلم حجّة وكونها ذاتية للعلم من حيث إن السّكون ذاتي له يستحيل ان يتخلف منه وامكان تخلّفها عن الظن الموجب للسّكون من جهة ان المناط وهو السكون يمكن ان يزول عنه لا بمعنى ان القوة الموجبة للسكون تزول ويتبدل القوى ضعيفا بل بمعنى ان هذه القوّة مقتضية للسكون وربما يمنع منه مانع كشدة الاعتناء بالواقع فان مجرد الاحتمال يكفى في عدم السّكون وحصول الخوف والاضطراب فان من احتمل السّم المهلك الذي لا دواء له في مشروب أو مأكول احتمالا عقلائيّا لا سوداويا وقوى ظنّه بالعدم بحيث لو كان هذا الظن في غير هذا المقام لاستقر وسكن استقل عقله بوجوب الاحتياط وكفى الاحتمال في زوال السّكون وحصول الوحشة والاضطراب ومن هذا القبيل نهى المولى عن الركون إلى هذا الانكشاف فإنه يوجب زوال السّكون بخلاف العلم لما حقّقناه في أول المبحث ومرجعه إلى أن هذه المنزلة ذاتية لها يستحيل سلبها عنه نعم للعلم مراتب فان علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين تختلف أيضا في مراتب الاطمينان فمن علم شيئا بالتواتر ليس كمن يشاهده ويراه بالعيان وإلى هذا ينظر قول خليل الرحمن عليه السّلام ولكن ليطمئنّ قلبي فاختلاف درجات العلم أيضا انما هو باختلاف مراتب الاطمينان فكلّما ازداد يقينا ازداد سكينة وطمأنينة ومن هذا الباب اختلاف درجات الايمان ان قلت إن الأحكام الواقعية تثبت لموضوعاتها الواقعية لا بشرط الانكشاف غالبا فما معنى ما تحكمون به من أن النّبى صلى اللّه عليه وآله وسلّم والامام عليه السّلام لا يعملان به بالوحي والالهام وانما يرتبان الآثار على ما علما به من الأسباب الدّنياويّة بل القاضي ليس له ان يقضى الا بالبيّنة واليمين والاقرار فلا يعمل بعلمه وان اطلع على الواقعة رأى العين وهل هذا الّا اسقاط السكون مع حصوله عن الاعتبار قلت إن الاعذار بالنسبة إلى الواقع ليس منحصرا في الجهل بل يجرى في العجز والاضطرار وملاحظة الاهمّ ألا ترى ان الشخص في مقام التقية وان لم تبلغ درجة الضرورة وظيفته ان يسلك مسلك أعداء