الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي
124
محجة العلماء في الأدلة العقلية
ادراك من قرئت عليه الآية أو عدم معرفتهم به أو عدم وجوده أصلا إلى غير ذلك من الاحتمالات الكافي واحد منها في الامكان المدّعى فافهم واخرج ابن أبي داود عن طريق محمّد بن سيرين عن كثير بن أفلح قال لما أراد عثمان ان يكتب المصاحف جمع له اثنى عشر رجلا من قريش والأنصار فبعثوا إلى الربعة التي في بيت عمر فجيء بها وكان عثمان يتعاهدهم فكانوا إذا تداروا في شيء أخروه فظننت انما كانوا يؤخّرونه لينظروا أحدثهم عهدا بالعرضة الأخيرة فيكتبونه على قوله أقول لعلّك بملاحظة ما حقّقناه تتنبّه لوجوه دلالته ويكفى بتدارئهم في شيء من القرآن شاهدا على الامكان وامّا ما ظنّه ففاسد فان تدارءهم لم يكن في خصوص النسخ دائما قطعا واخرج ابن أبي داود بسند صحيح عن سويد بن غفلة قال قال علي عليه السّلام لا تقولوا في عثمان الّا خيرا فو اللّه ما فعل الذي فعل في المصاحف الّا عن ملاء منا قال ما تقولون في هذه القراءة فقد بلغني ان بعضهم يقول إن قرائتى خير من قراءتك وهذا يكاد ان يكون كفرا قلنا فما ترى قال أرى ان يجمع النّاس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف قلنا فنعم ما رايت أقول فيها شهادة على أن الاختلاف المسوّغ للاحراق لم يكن في الإراءة فان ترجيح نحو من الآراء على الآخر ليس قريبا من الكفر بل استقرت عليه سيرة القراء وساير المسلمين فان الاختلاف في القراءة انما كان للاختلاف في الكلمات والآيات وهذا المعنى قد ظهر ممّا تقدم من اخبارهم أيضا قال ابن التين وغيره الفرق بين جمع أبى بكر وجمع عثمان ان جمع أبى بكر كان لخشية ان يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته لأنه لم يكن مجموعا في موضع واحد فجمعه في صحايف مرتبا لآيات سورة على ما وقفهم عليه النّبى صلى اللّه عليه وآله وسلّم وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراءة حتى قرءوه بلغاتهم على اتساع اللغات فادّى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض فخشى من تفاقم الامر في ذلك فنسخ تلك الصّحف في مصحف واحد مرتبا لسوره واقتصر من ساير اللغات على لغة قريش محتجّا بانّه نزل بلغتهم وان كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم رفعا للحرج والمشقة في ابتداء الامر فرأى أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت فاقتصر على لغة واحدة انتهى وفيه على الحق شواهد لا تخفى وقد صدق في قوله ان جمع أبى بكر كان لخشية ذهاب شيء من القرآن لأنه لم يكن مجموعا في موضع واحد في ذلك الزّمان ولكن لم يقدر ان يجمعه على ما انزل كما عرفت من رواياتهم واما ما ذكره في وجه جمع عثمان فغلط فان الاختلاف باختلاف اللغات الّذى سوغه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم تسهيلا للامر لا يكاد ان يكون كفرا بل المنع منه كفر بالله وتخطئة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم مع أنه لا يوجب الاقتتال حيث إن الامر كان موسّعا على الامّة ولم يكن ذلك موجبا للاختلاف والتنازع بل كانوا متفقين في عين الاختلاف مع أن التوسعة المعلومة للأمة لا ترتفع بكتابته المصاحف على وجه واحد لأنهم كانوا يعلمون بها ومن المعلوم ان تكلّم الشخص بلغة فطرىّ له لا يحتاج فيه إلى الاستعانة بالكتابة فعلم أن الاختلاف كان في ما هو أعظم من ذلك وامّا ما جمع به بين حكم الرّسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم وما نسب إلى العثمان من حصر القراءة في وجه واحد من انّ حكم الرّسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم كان للتوسعة في أول الأمر واقتضت المصلحة في زمان خلافة عثمان خلافه فاختلف الحكمان في القرآن باختلاف الأزمان فهو من الفساد بمكان حيث إن الجهتين موجودتان في جميع الأزمان فان التوسعة على أهل زمان عثمان لا يغنى عنه التوسعة على أهل ذلك الزمان ولو كان الاختلاف موجبا للفساد لكان كذلك في