الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي
102
محجة العلماء في الأدلة العقلية
وضوءه في كل يوم مرّات غالبا مع كثرتهم وتشتتهم في البلاد ولم يكن ما يمنع من البلوغ الينا فبعد خفاء هذا الامر يستعد خفاء غيره ممّا لا يقاربه واستدلّوا أيضا بأنه يلزم الدّور على تقدير توقّف معرفة الاعجاز على التقصير لان معرفة صحّته المتوقفة عليه معرفة الاعجاز متوقّفة على معرفة صدقه المتوقّفة على معرفة الاعجاز وفيه ان التوقّف على التفسير لا يستلزم التوقّف على العلم بالصدق فان تعلّم التفسير ليس تقليدا بل الرجوع إلى العلماء في شرح المتون وكشف المعضلات من العبائر الغامضة استرشاد واستعلام فهو وسيلة للعلم والتصديق بان معنى العبادة ما ارشد اليه كما هو الحال في تعلم المسائل من المدرسين مع أن صلوح الكلام لمعنى لا يستطيع البشر على التعبير عنه بمثله يكفى في كونه معجزا ولا يتوقّف على فعليّة الإرادة فان المفروض عجز غيره عن أن يأتي بكلام يوازنه وان فسّره بما أراد واستدل أيضا بان الكتاب لو لم يكن يفهمه الناس مع كون ذلك مخالفا للكتب السّمائيّة بل جميع الكتب من لدن آدم إلى عصره لكان اظهر ما يعيب الكفار وأقربه بان يقولوا لا يفهم منه شيء وهو خلاف ما انزل من عند اللّه تعالى بل مطلقا ولم ينقل ذلك ولو آحادا مع كونهم بصدد التقبيح والتشنيع والتعقيب وفيه اوّلا ما عرفت من أن المعرفة في الجملة مسلّمة وهي تكفى في رفع المحذور والكلام الذي تتوقف معرفة تفاصيله على الشرح والتفسير ليس بعزيز بل جميع القصائد والخطب الفصيحة والمتون المتينة من هذا القبيل وهذا من غاية لطفه مع أنه لا داعى للمسلمين على نقل ما يوهن في الدين ومع توفّر الدّواعى على النقل فقد عرفت عدم بعد خفائه وثانيا ان الجهات الموجبة للاجمال لم يكونوا مطّلعين عليها من الاشتمال على الناسخ والمنسوخ والعام والخاصّ والمطلق والمقيّد مع تميّزها وامّا الآيات فمنها قوله تعالى ( أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ) حثّ على التدبّر في القرآن ومن المعلوم انه ليس مقصودا بالذات بل انما هو مقدّمة للاطّلاع على ما اشتمل عليه من المقاصد ليترتّب عليها آثارها وفيه ان الحث على التدبّر في القرآن انما هو للايمان والاتعاظ والتذكر بما أنعم اللّه به على المؤمنين وعذّب به الكافرين والمنافقين بالتامّل في قصص الماضين وأحوال الأنبياء ويشهد على ذلك زيادة على السّوق قوله ( أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ) فالظاهر أن المعنى اللّه اعلم أن عدم خشوعهم لربّهم لا يخلو عن أن يكون مستندا إلى عدم التدبّر في القرآن الذي انزل هو هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ أو إلى وجود المانع وهي القساوة المستور بها العقل ويفصح عن ذلك وقوعها في سورة محمد ( ص ) بعد قوله ) ( أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ وفي سورة النساء ) ( أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) ( بعد قوله تعالى فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا ) ( وبما حقّقنا ظهر لك ما في ما افاده السيّد المحقّق الكاظمي قده في تقريب الاستدلال قال تدبّر الامر كما في الكشاف وغيره تأمّله والنظر في ادباره وما يؤول عاقبته ومنتهاه ثم استعمل في كلّ تامّل بالغ ومعنى تدبّر القرآن كما في كتب التفاسير تامّل معانيه وتدبّر ما فيه أتراه يأمرهم ان يجعلوا فيه أفكارهم ويصرفوا فيه انظارهم ويتامّلوا معانيه أبلغ تامّل ويتبصّروا لما فيه فضل تبصر ويتدبّروه حق تدبّر حتى يشهدوا بظاهر اخباره على الصدق وبتعاضد معانيه على الصّحة والحكمة وينادى سوره وآياته بالبلاغة ووقاع محكماته عن متشابهاته