الميرزا موسى التبريزي

77

فرائد الأصول ( مع حواشي أوثق الوسائل )

وأمّا « الوسوسة في التفكّر في الخلق » كما في النبويّ الثاني أو « التفكّر في الوسوسة فيه » كما في الأوّل ، فهما واحد ، والأوّل أنسب ، ولعلّ الثاني اشتباه من الراوي . والمراد به - كما قيل - : وسوسة الشيطان للانسان عند تفكّره في أمر الخلقة ؛ وقد استفاضت الأخبار بالعفو عنه . ففي صحيحة جميل بن درّاج ، قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام : « إنّه يقع في قلبي أمر عظيم ، فقال عليه السّلام : قل : لا إله إلّا اللّه ، قال جميل : فكلّما وقع في قلبي شيء قلت : لا إله إلّا اللّه ، فذهب عني » 22 . وفي رواية حمران عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ، عن الوسوسة وإن كثرت ، قال : « لا شيء فيها ، تقول : لا إله إلّا اللّه » 23 . وفي صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : « جاء رجل إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، فقال : يا رسول اللّه ، إنّي هلكت ، فقال صلّى اللّه عليه وآله له : أتاك الخبيث ، فقال لك : من خلقك ؟ فقلت : اللّه تعالى ، فقال : اللّه من خلقه ؟ فقال : إي والذي بعثك بالحقّ قال كذا ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : ذاك واللّه محض الإيمان » . قال ابن أبي عمير : فحدّثت ذلك عبد الرحمن بن الحجّاج ، فقال : حدّثني أبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : « إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إنّما عنى بقوله : « هذا محض الإيمان » خوفه أن يكون قد هلك حيث عرض في قلبه ذلك » 24 . وفي رواية أخرى عنه صلّى اللّه عليه وآله : « والّذي بعثني بالحقّ إنّ هذا لصريح الإيمان ، فإذا وجدتموه فقولوا : آمنّا باللّه ورسوله ، ولا حول ولا قوّة إلّا باللّه » 25 . وفي رواية أخرى عنه صلّى اللّه عليه وآله : « إنّ الشيطان أتاكم من قبل الأعمال فلم يقو عليكم ، فأتاكم من هذا الوجه لكي يستزلّكم ، فإذا كان كذلك فليذكر أحدكم اللّه تعالى وحده » 26 . ويحتمل أن يراد بالوسوسة في الخلق : الوسوسة في أمور الناس وسوء الظنّ بهم ، وهذا أنسب بقوله : « ما لم ينطق بشفتيه » . ثمّ هذا الذي ذكرنا هو الظاهر المعروف في معنى الثلاثة الأخيرة المذكورة في الصحيحة . وفي الخصال بسند فيه رفع عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : « قال : ثلاث لم يعر منها نبيّ فمن دونه : الطيرة ، والحسد ، والتفكّر في الوسوسة في الخلق » 27 . وذكر الصدوق رحمه اللّه في تفسيرها : أنّ المراد بالطيرة التطيّر بالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله أو المؤمن ، لا تطيّره ؛ كما حكى اللّه عزّ وجلّ عن الكفّار : قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ 28 والمراد ب « الحسد » أن يحسد ، لا أن يحسد ؛ كما قال اللّه تعالى : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ 29 .