المقريزي
177
إمتاع الأسماع
سطع ، وفي لحيته كثافة ، أزج أقرن ، إن صمت فعليه الوقار ، وإن تكلم سماه وعلاه البهاء ، أجمل الناس وأبهاه من بعيد ، وأحسنه ، وأحلاه من قريب ، حلو المنطق ، فصل لا نذر ولا هدر ، وكأن منطقه خرزات نظم يتحدرن ، لا تشنؤه ( 1 ) من طول ، ولا تقتحمه عين من قصر ، غصنا بين غصنين ، فهو أنضر الثلاثة منظرا ، وأحسنهم قدرا ، له رفقاء يحفون به ، إن قال انصتوا لقوله ، وإن أمر تبادروا إلى أمره ، محفود محشود ، لا عابس ولا مفند صلى الله عليه وسلم ، [ وسيأتي ] حديث أم معبد بطوله مشروحا عند ذكر المعجزات إن شاء الله تعالى . وخرج الحافظ أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي ( 2 ) من حديث جميع بن عمر العجلي ، قال حدثني رجل بمكة عن ابن أبي هالة عن الحسن بن علي قال سألت خالي هند بن أبي هالة التميمي - وكان وصافا - عن حلية النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا أتعلق به ، فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر ، أطول من المربوع ، وأقصر من المشذب ، عظيم الهامة ، رجل الشعر . إن انفرقت عقيصته فرق ، وإلا فلا يتجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره ، أزهر اللون ، واسع الجبين ، أزج الحواجب سوابغ في غير قرن ، بينهما عرق يدره الغضب أقنى العرنين ، له نور يعلوه ، يحسبه من لم يتأمله أشم ، كث اللحية ، سهل الخدين ، ضليع الفم ، أشنب ، مفلج الأسنان ، دقيق المسربة ، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة ، أنور المتجرد ، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط ، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك ، شثن الذراعين والمنكبين وأعلى الصدر ، طويل الزندين ، رحب الراحة ، سبط العقب ، شثن الكفين والقدمين ، شائل الأطراف ، خمصان الأخمصين ، مسيح القدمين ، ينبو عنهما الماء ، فإذا زال زال قلعا ، يخطو تكفيا ، ويمشي هونا ، ذريع المشية كأنما ينحط من صبب ، وإذا التفت التفت جميعا ، خافض الطرف ، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء ، جل نظره الملاحظة ، يسوق أصحابه ويبدأ من لقيه بالسلام ، قلت : صف لي منطقه ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان . دائم الفكرة ، ليست له راحة ، طويل السكوت ، لا يتكلم في غير حاجة : يفتتح الكلام ويختتمه .
--> ( 1 ) في ( خ ) ( لا ياس ) وما أثبتناه من ( الشمائل المحمدية ) ص 223 . ( 2 ) ( نسبة إلى فسا ) من بلاد فارس ( لسان الميزان ) ج 6 ص 376 ترجمة رقم 265 / 9329