المقريزي
627
إمتاع الأسماع
العادل نور الدين محمود بن زنكي في صفر في سنة سبع وخمسين وخمسمائة إلى المدينة بسبب رؤيا رآها ، ذكرها بعض الناس ومعه الفقيه علم الدين يعقوب ابن أبي بكر المحترق أبوه ليلة حريق المسجد عن من حدثه عن أكابر من أدرك ، أن السلطان محمود المذكور أتى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات في ليلة واحدة وهو يقول له في كل واحدة منها : يا محمود أنقذني من هذين ، شخصين أشقرين تجاهه فاستحضر وزيره قبل الصبح فذكر له ذلك ، فقال له : هذا أمر حدث في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ليس له غيرك ، فتجهز ، وخرج على عجل بمقدار ألف راحلة وما يتبعها من رجل وغير ذلك حتى دخل المدينة على غفلة من أهلها ، والوزير معه ، وزار وجلس في المسجد لا يرى ما يصنع فقال له الوزير : أتعرف الشخصين إذا رأيتهما ؟ قال : نعم . فطلب الناس عامة للصدقة ، وفرق عليهم ذهبا كثيرا وفضة ، وقال : لا يبقين أحد بالمدينة إلا جاء ، فلم يبق إلا رجلان مجاوران من أهل الأندلس في الناحية التي تلي قبلة حجرة النبي صلى الله عليه وسلم من خارج المسجد ، عند دار عمر بن الخطاب - رضي الله تبارك وتعالى عنه - التي تعرف اليوم بدار العشرة - رضي الله تبارك وتعالى عنهم - فطلبهما للصدقة ، فامتنعا وقالا : نحن على كفاية ، ما نقبل شيئا . فجد في طلبهما ، فجيئ بهما فلما رآهما قال الوزير : هم هذان ، فسألهما عن حالهما ، وما جاء بهما ، فقالا : جئنا لمجاورة النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أصدقاني ، وتكرر السؤال حتى أفضى إلى معاقبتهما ، أقرا أنهما من النصارى ، وأنهما وصلا لكي ينقلا من في هذه الحجرة المقدسة باتفاق من ملوكهم ، ووجدهما قد حفرا نفقا من تحت حائط المسجد القبلي ، وهما قاصدان إلى جهة الحجرة الشريفة ، ويجعلان التراب في بئر عندهما في البيت الذي هم فيه ، هكذا حدثني عن من حدثه . قضرب أعناقهما عند الشباك الذي في شرقي حجرة النبي صلى الله عليه وسلم خارج المسجد ، ثم أحرقا بالنار آخر النهار ، وركب متوجها إلى الشام ، فصاح به من كان نازلا خارج السور واستعانوا ، فطلبوا أن يبني عليهم سورا يحفظ أبناءهم وماشيتهم ، فأمر ببناء هذا السور الموجود اليوم ، فبني في سنة ثمان وخمسين ، وكتب اسمه على باب البقيع ، فهو باق إلى اليوم ، انتهى . وفي سنة سبع عشرة وسبعمائة جهز الملك ابن صاحب عراقي والعجم عسكرا مع الشريف خميصة بن أبي نمر الحسني ، أمير مكة ، وقد عزل ولحق به ،