المقريزي

576

إمتاع الأسماع

فصل فيما جاء في كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج مسلم من حديث أبي معاوية عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة - رضي الله تبارك وتعالى عنها - قالت : كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة ، أما الحلة فإنما شبه على الناس فيها أنها اشتريت له ليكفن فيها ، فتركت الحلة وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية فأخذها ، عبد الله بن أبي بكر - رضي الله تبارك وتعالى عنه - وقال : لا حبستها حتى أكفن فيها نفسي ، ثم قال : لو رضيها الله تعالى لرسوله لكفنه فيها ، فباعها وتصدق بثمنها ( 1 ) .

--> ( 1 ) ( مسلم بشرح النووي ) : 7 / 11 - 11 ، كتاب الجنائز ، باب ( 13 ) في كفن الميت ، حديث رقم ( 46 ) ، وأخرجه من طريق أخرى من حديث يحيى بن يحيى بنحوه سواء ، حديث رقم ( 45 ) ، ( 47 ) . قولها : ( كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة ) السحولية بفتح السين وضمها والفتح أشهر وهو رواية الأكثرين قال ابن الأعرابي وغيره هي ثياب بيض نقية لا تكون إلا من القطن وقال ابن قتيبة : ثياب بيض ولم يخصها بالقطن وقال آخرون : هي منسوبة إلى سحول قرية باليمن تعمل فيها . وقال الأزهري السحولية بالفتح منسوبة إلى سحول مدينة باليمن يحمل منها هذه الثياب وبالضم ثياب بيض حكاه ابن الأثير في ( النهاية ) . في هذا الحديث وحديث مصعب بن عمير السابق وغيرهما وجوب تكفين الميت وهو إجماع المسلمين ويجب في ماله فإن لم يكن له مال فعلي من عليه نفقته فإن لم يكن ففي بيت المال فإن لم يكن وجب على المسلمين يوزعه الإمام على أهل اليسار وعلى ما يراه . وفيه أن السنة في الكفن ثلاثة أثواب للرجل وهو مذهبنا ومذهب الجمهور والواجب ثوب واحد كما سبق والمستحب في المرأة خمسة أثواب ويجوز أن يكفن الرجل في خمسة لكن المستحب أن لا يتجاوز الثلاثة وأما الزيادة على خمسة فإسراف في حق الرجل والمرأة . قولها : ( بيض ) دليل لاستحباب التكفين في الأبيض وهو مجمع عليه . وفي الحديث الصحيح في الثياب البيض وكفنوا فيها موتاكم . ويكره المصبغات ونحوها من ثياب الزينة وأما الحرير فقال أصحابنا يحرم تكفين الرجل فيه ويجوز تكفين المرأة فيه مع الكراهة وكره مالك وعامة العلماء التكفين في الحرير مطلقا . قال ابن المنذر : ولا أحفظ خلافه . وقولها : ليس فيها قميص ولا عمامة معناه لم يكفن في قميص ولا عمامة وإنما كفن في ثلاثة أثواب غيرهما ولم يكن مع الثلاثة شئ آخر هكذا فسره الشافعي وجمهور العلماء وهو الصواب الذي يقتضيه ظاهر الحديث قالوا : ويستحب أن لا يكون في الكفن قميص ولا عمامة وقال مالك وأبو حنيفة : يستحب قميص وعمامة . وتأولوا الحديث على أن معناه ليس القميص والعمامة من جملة الثلاثة ، وإنما هما زائدان عليهما وهذا ضعيف فلم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم كفن في قميص وعمامة وهذا الحديث يتضمن أن القميص الذي غسل فيه النبي صلى الله عليه وسلم نزع عنه عند تكفينه وهذا هو الصواب الذي لا يتجه غيره ، لأنه لو بقي مع رطوبته لأفسد الأكفان وأما الحديث الذي في سنن أبي داود عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب : الحلة وثوبان وقميصه الذي توفي فيه فحديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به لأن يزيد بن أبي زياد أحد رواته مجمع على ضعفه لا سيما وقد خالف بروايته الثقاة . قوله ( من كرسف ) هو القطن وفيه دليل على استحباب كفن القطن . قولها : ( أما الحلة فإنما شبه على الناس فيها ) هو بضم الشين وكسر الباء المشددة ومعناه اشتبه عليهم قال أهل اللغة ولا تكون الحلة إلا ثوبين إزارا ورداء . قولها : ( حلة يمينية كانت لعبد الله بن أبي بكر ) ضبطت هذه اللفظة في مسلم على ثلاثة أوجه حكاها القاضي وهي موجودة في بعض النسخ أحدها يمنية بفتح أوله منسوبة إلى اليمن والثاني يمانية منسوبة إلى اليمن أيضا والثالث يمنة بضم الياء وإسكان الميم وهو أشبه قال القاضي وغيره : وهي على هذا مضاف حلة يمنة قال الخليل : هي ضرب من برود اليمن . قولها ( وكفن في ثلاثة أثواب سحول يمانية ) هكذا هو في جميع الأصول سحول أما يمانية فبتخفيف الياء على اللغة الفصيحة المشهورة وحتى سيبويه والجوهري وغيرهما لغة في تشديدها ووجه الأول أن الألف بدل ياء النسب فلا يجتمعان بل يقال يمنية أو يمانية بالتخفيف . وأما قوله سحول فبضم السين وفتحها والضم أشهر والسحول بضم السين جمع سحل وهو ثوب القطن . قولها ( سجى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات بثوب حبرة ) معناه غطى جميع بدنه والحبرة بكسر الحاء وفتح الباء الموحدة وهي ضرب من برود اليمن ، وفيه استحباب تسجية الميت وهو مجمع عليه ، وحكمته صيانته من الانكشاف وستر عورته المتغيرة عن الأعين قال أصحابنا ويلف طرف لثوب المسجى به تحت رأسه وطرفه الآخر تحت رجليه لئلا ينكشف عنه . قالوا : تكون التسجية بعد نزع ثيابه التي توفي فيها لئلا يتغير بدنه بسببها .