المقريزي

392

إمتاع الأسماع

التحقير والتهوين ، فهو أشد عقوبة ، وليس فيه تصريح بالسب للملك ، وإنما السب واقع على المخاطب ، وفي الأدب بالسوط والسجن نكال للسفهاء . قال وأما ذكر مالك وخازن النار فقد جفا الذي ذكره عندما أنكر حاله من عبوس الآخر ، وإلا أن يكون المعبس له يد فمرهب الملك بعبسته ، فيشبه القائل على طريق الذم لهذا في فعله ولزومه في ظلمه صفة المالك الملك لربه في فعله ، فيقول : كأنه لله يغضب مالك فيكون أخف ، وما كان ينبغي له التعرض لمثل هذا ، ولو كان أثنى على العبوس بعبسته ، واحتج بصفة مالك كان أشد ، ويعاقب المعاقبة الشديدة ، وليس في هذا ذم للملك على قصد ذمة يقتل . وقال أبو الحسن أيضا في شاب معروف بالخير ، قال لرجل شيئا ، فقال له : اسكت فإنك أمي ، فقال الشاب : أليس كان النبي صلى الله عليه وسلم أميا ؟ فشنع عليه مقاله ، وكفره الناس ، وأشفق الشاب مما قال ، وأظهر الندم عليه ، فقال أبو الحسن : أما إطلاق الكفر عليه فخطأ ، لكنه مخطئ في استشهاده فصفة النبي صلى الله عليه وسلم أميا آية له ، وكون هذا أميا نقيصة فيه ، وجهالة ، ومن جهالته احتجاجه بصفة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكنه إذا استغفر وتاب واعترف ولجأ إلى الله فيترك ، لأن قوله لا ينتهي إلى حد القتل وما طريقه الأدب ، فطوع فاعلة بالندم عليه يوجب الكف عنه . ونزلت أيضا مسألة استفتى فيها بعض قضاه الأندلس شيخنا القاضي أبا محمد بن منصور - رحمه الله - في رجل تنقصه آخر بشئ فقال له : إنما تريد نقضي بقولك وأنا بشر ، وجميع البشر يلحقهم النقص ، حتى النبي صلى الله عليه وسلم ! فأفتاه بإطالة سجنه وإيجاع أدبه ، إذ لم يقصد السب ، وكان بعض فقهاء الأندلس أفتى بقتله . الوجه السادس : أن يقول القائل ذلك حاكيا عن غيره ، وآثرا له عن سواه ، فهذا ينظر في صورة حكايته ، وقرينة مقالته ، ويختلف الحكم باختلاف ذلك على أربعة وجوه : الوجوب ، والندب ، والكراهة ، والتحريم ، فإن كان أخبر به على وجه الشهادة ، والتعريف بقائله ، والإنكار والإعلام بقوله ، والتنفير منه ، والتجريح له : فهذا مما ينبغي امتثاله ويحمد فاعله .