المقريزي

39

إمتاع الأسماع

لا يموت بين امرأين مسلمين ولدان أو ثلاثة فيصبران يحتسبان فيريان النار أبدا ، وقد مات لنا ثلاثة من الولد ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنفر أنا فيهم : ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية وجماعة ، فأنا ذلك الرجل ، فوالله ما كذبت ولا كذبت ، فأبصري الطريق ، قلت : إني وقد ذهب الحاج وتقطعت الطريق ؟ قال : اذهبي فتبصري ، قالت : فكنت أشتد إلى الكثيب فأنظر ، ثم أرجع إليه فأمرضه ، فبينا أنا كذلك إذا أنا برجل على رحالهم كأنهم الرخم ( 1 ) تحث بهم رواحلهم ، فأسرعوا إلي حتى وقفوا علي فقالوا : يا أمة الله ! مالك ؟ قالت : امرؤ من المسلمين يموت تكفنونه ؟ قالوا : ومن هو ؟ قلت : أبو ذر ، قالوا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قلت : نعم ، قالت : ففدوه بآبائهم وأمهاتهم وأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه ، فقال لهم : أبشروا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنفر أنا فيهم : ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد هلك في قرية وجماعة والله ما كذبت ولا كذبت ، ولو كان عندي ثوب يسعني كفنا لي أو لامرأتي لم أكفن إلا في ثوب هو لي أو لها ، وإني أنشدكم الله أن يكفني رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو بريدا أو نقيبا ، وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد قارف بعض ما قال ، إلا فتى من الأنصار فقال : أنا أكفنك يا عم في ردائي هذا ، وفي ثوبين من عيبتي من غزل أمي ، قال : أنت تكفنني ( يا بني ) ( 2 ) ، قال : فكفنه الأنصاري وغسله في النفر الذين حضروه وقاموا عليه ودفنوه في نفر كلهم يمان ( 3 ) .

--> ( 1 ) الرخم : جمع رخمة وهو طائر من الجوارح يشبه النسر . ( 2 ) زيادة للسياق من ( الإستيعاب ) . ( 3 ) ( الإستيعاب ) : 1 / 253 - 255 ، ترجمة جندب بن جنادة ( أبو ذر ) رقم 339 . ثم قال ابن عبد البر : وروى عنه جماعة من الصحابة ، وكان من أوعية العلم المبرزين في الزهد والورع والقول بالحق ، سئل علي - رضي الله تبارك وتعالى عنه - عن أبي ذر فقال : ذلك رجل وعى علما عجز عنه الناس ، ثم أوكأ عليه ، ولم يخرج شيئا منه . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أبو ذر في أمتي شبيه عيسى ابن مريم في زهده . وبعضهم روى : من سره أن ينظر إلى تواضع عيسى ابن مريم فلينظر إلى أبي ذر . ومن حديث ورقاء وغيره ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة - رضي الله تبارك وتعالى عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أظلت الخضراء ، ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر ، ومن سره أن ينظر إلى تواضع عيسى ابن مريم فلينظر إلى أبي ذر . وروى إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر ، قال : كان قوتي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من تمر ، فلست بزائد عليه حتى ألقى الله - تعالى - . ( الإستيعاب )