المقريزي
385
إمتاع الأسماع
بصريح سب وبهذا ترجم البخاري على هذا الحديث : باب إذا عرض الذمي أو غيره بسب النبي صلى الله عليه وسلم . وقال بعض علمائنا : ليس هذا بتعرض بالسب ، وإنما تعرض بالأذى . قال القاضي عياض : الأذى والسب في حقه صلى الله عليه وسلم سواء ، وقال القاضي أبو محمد بن نصر مجيبا عن هذا الحدث ببعض ما تقدم ، ثم قال ولم يذكر في الحديث هل كان هذا اليهودي من أهل العهد والذمة أو الحرب ، ولا يترك موجب الأدلة المحتملة كله ، والأظهر من هذه الوجوه مقصد الاستئلاف والمداراة على الدين ، لعلهم يؤمنون . ولذلك ترجم البخاري على حديث القسمة والخوارج باب : من ترك قتال الخوارج للتألف ولئلا ينفر الناس عنه ، وقد صبر لهم صلى الله عليه وسلم على سحره ، وسمه ، وهو أعظم من سبه ، إلى أن نصره الله تعالى عليهم وأذن له في قتل من عينه منهم ، وإنزالهم من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب ، وكتب على من شاء منهم الجلاء ، وأخرجهم من ديارهم ، وخرب بيوتهم بأيديهم ، وأيدي المؤمنين وكاشفهم بالسب فقال : يا إخوة القردة والخنازير ، وحكم فيهم سيوف المسلمين ، وأجلاهم من جوارهم ، فإن قتله فقد جاء في الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله تبارك وتعالى عنها - أنه صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه في شئ يؤثر إليه قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله . فاعلم أن هذه لا تقضي أنه لم ينتقم ممن سبه أو آذاه وكذبه ، وأن هذه من حرمات الله التي انتقم لها ، وإنما يكون ما لا ينتقم له فيما تعلق بسوء أدب أو معاملة من القول والفعل ، بالنفس والمال ، مما لم يقصد فاعله به أذاه ، ولكن مما جبلت عليه الأعراب من الجفاء ، والجهل ، أو جبل عليه البشر من السفه ، كجبذ الأعرابي بإزاره حتى أثر في عنقه ، وكرفع صوت الآخر عنده ، وكجحد الأعرابي في شرائه منه فرسه التي شهد فيها خزيمة بن ثابت . وكما كان من تظاهر زوجيه عليه ، وأشباه هذا مما يحسن الصفح عنه ، أو يكون هذا مما أذاه به كافر ، وجاء بعد ذلك إسلامه كعفوه عن اليهودي الذي سحره ، وعن اليهودية التي سمته ، وعن الأعرابي الذي أراد قتله .