المقريزي

235

إمتاع الأسماع

وأقبل خالد بالناس فرأوا عكاشة وثابتا قتيلين ، فخرج لذلك المسلمون ، وانصرف بهم خالد نحو طئ ، فقالت له طئ نحن نكفيك قيسا ، فإن بني أسد حلفاؤنا . فقال : قاتلوا أي الطائفتين شئتم . فقال عدي بن حاتم : لو نزل هذا على الذين ( هم ) أسرتي الأدنى فالأدنى لجاهدتهم ( 1 ) عليه ، والله لا أمتنع عن جهاد بني أسد لحلفهم . فقال له خالد . إن جهاد الفريقين جهاد ، لا تخالف رأي أصحابك وامض بهم إلى القوم الذين هم لقتالهم أنشط ، ثم تعبي لقتالهم ، ثم سار حتى التقيا على بزاخة ، وبنو عامر قريبا يتربصون على من تكون الدائرة ، قال : فاقتتل الناس على بزاخة . وكان عيينة بن حصن مع طليحة في سبعمائة من بني فزارة ، فقاتلوا قتالا شديدا وطليحة متلفف في كسائه يتنبأ لهم ، فلما اشتدت الحرب كر عيينة على طليحة وقال له هل جاءك جبرائيل بعد ؟ قال : لا ، فرجع فقاتل ، ثم كر على طليحة فقال له : لا أبا لك ! أجاءك جبرائيل ؟ قال لا . فقال عيينة حتى متي ؟ قد والله بلغ منا ! ثم رجع فقاتل قتالا شديدا ثم كر على طليحة فقال : هل جاءك جبرائيل ؟ قال نعم . قال : فماذا قال لك ؟ قال : قال لي : إن رحا كرحاه ، وحديثا لا تنساه . فقال عيينة قد علم الله أنه سيكون حديث لا تنساه ، انصرفوا يا بني فزارة فإنه كذاب ، فانصرفوا وانهزم الناس . وكان طليحة قد أعد فرسه وراحلته لامرأته النوار ، فلما غشوه ركب فرسه وحمل امرأته ثم نجا بها وقال : يا معشر فزارة من استطاع أن يفعل هكذا وينجو بامرأته فليفعل . ثم انهزم فلحق بالشام ، ثم نزل على كلب فأسلم حين بلغه أن أسدا وغطفان قد أسلموا ، ولم يزل مقيما في كلب حتى مات أبو بكر . وكان خرج معتمرا ( في أمارة أبي بكر ) ومر بجنبات المدينة ، فقيل لأبي بكر : هذا طليحة ! فقال : مال أصنع به ؟ قد أسلم ! ثم أتي عمر فبايعه حين استخلف . فقال له : أنت قاتل عكاشة وثابت ؟ والله لا أحبك أبدا ! فقال : يا أمير المؤمنين ما يهمك من رجلي أكرمهم الله بيدي ولم يهني بأيديهما !

--> ( 1 ) لجاهدتم .