المقريزي
166
إمتاع الأسماع
والقراءة الثانية : أدنى بسكون الدال ، وهي إجماع القراء ، ومعناه أقرب ، وفي أدنى أربعة أقوال ، أحدها : طرف الشام ، قاله ابن عباس ، والثاني : الجزيرة فيما بين العراق والشام ، وهي أقرب أرض الروم إلى فارس ، قاله مجاهد ، والثالث : الأردن وفلسطين ، قاله السدي ومقاتل ، والرابع : أذرعات ، قاله عكرمة ويحيى بن سلام . ويقال : إن قيصر بعث رجلا يدعى يحنس وبعث كسرى شهر براز فالتقيا بأذرعات وبصرى ( 1 ) ، وهي أدنى بلاد الشام إلى أرض العرب والعجم . قال ابن عطية : فإن كانت الوقعة بأذرعات فهي من أدنى الأرض بالقياس إلى مكة . وإن كانت الوقعة بالجزيرة فهي أدنى الأرض بالقياس إلى أرض كسرى ، وإن كانت بالأردن فهي إلى أدنى أرض الروم . فلما جرى ذلك وغلبت الروم شر الكفار فبشر الله عباده المؤمنين بأن الروم سيغلبون ، وتكون الدولة لهم في الحرب ، وكان في هذا الأخبار دليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، لأن الروم غلبت من فارس ، فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين ، وأن المؤمنين يفرحون بذلك لأن الروم نصارى أهل كتاب وهو الإنجيل ، فكان هذا من علم الغيب الذي أخبر الله - تعالى - به مما لم يكن ، فكان كما أخبر . قال الزجاج وهذا يدل على أن القرآن من عند الله ، لأنه أنبأ بما سيكون ، وهذا لا يعلمه إلا الله . وقد اختلف في البضع فقال ابن سيده : البضع أو البضع ما بين الثلاث إلى العشر أولها من الثلاثة إلى العشر مضاف إلى ما تضاف إليه الآحاد ، كقوله - تعالى - : ( في بضع سنين ) وقوله : ( فلبث في السجن بضع سنين ) ( 2 ) ويبني مع العشرة كما يبني سائر الآحاد ، فيقال : بضعة عشر رجلا ، وبضع عشرة امرأة ، ولم يسمع بضعة عشر ولا بضع عشرة رجلا ، وبضع عشر امرأة . ولا يمتنع ذلك . وقيل : البضع من الثلاث إلى التسع قيل هو ما بين الواحد إلى الأربعة وقال الهروي : العرب تستعمل البضع فيما بين الثلاث إلى التسع ، والبضع والبضعة واحد ومعناهما القطعة من العدد .
--> ( 1 ) أذرعات وبصر : أسماء أماكن . ( 2 ) يوسف : 42 .