المقريزي
119
إمتاع الأسماع
له زيد ، فلما رآه عرف شبهه ، فقال : من أنت ؟ قال : أنا زيد بن عدي بن زيد فكلمه فإذا غلام ظريف ، فرح به فرحا شديدا ، وقربه وأعطاه ، واعتذر إليه من أمر أبيه وجهزه ، ثم كتب إلى كسرى : إن عديا كان ممن أعين به الملك في نصحه ولبه ، فأصابه ما لا بد منه ، وانقضت مدته ، وانقطع أكله ، ولم يصب به أحد أشد من مصيبتي ، وأما الملك فلم يكن ليفقد رجلا إلا جعل الله له منه خلفا ، لما عظم الله له من ملكه وشأنه ، وقد أدرك له ابن ليس من دونه ، وقد سرحته إلى الملك ، فإن رأى الملك أن يجعله مكان أبيه ، فليفعل . فلما قد الغلام على كسرى جعله مكان أبيه ، وصرف عمه إلى عمل آخر ، فكان هو الذي يلي ما كتب به إلى أرض العرب ، وخاصة الملك . وكانت له من العرب وظيفة موظفة في كل سنة : مهران أشقران والكمأة الرطبة في حينها واليابسة ، والأقط والأدم وسائر تجارات العرب ، فكان زيد بن عدي بن زيد يلي ذلك ، وكان هذا عمل عدي . فلما وقع عند الملك بهذا الموقع ، سأله كسرى عن النعمان ، فأحسن عليه الثناء ، فمكث سنوات بمنزلة أبيه ، وأعجب به كسرى ، وكان يكثر الدخول عليه ، وكانت لملوك الأعاجم صفة من النساء مكتوبة عندهم ، فكانوا يبعثون في تلك الأرضين بتلك الصفة ، ( فإذا وجدت حملت إلى الملك ) غير أنهم لم يكونوا يتناولون أرض العرب بشئ من ذلك ، ولا يريدونه . فبدأ الملك في طلب النساء فكتب بتلك الصفة ، ثم دخل على كسرى فكلمه فيما دخل فيه ، ثم قال : إني رأيت الملك كتب في نسوة يطلبن له ، فقرأت الصفة ، وقد كنت بآل المنذر عالما ، وعند عبدك النعمان من بناته وبنات عمه وأهله أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة . قال : فتكتب فيهن . قال : أيها الملك ، إن شر شئ في العرب وفي النعمان ( خاصة ) أنهم يتكرمون - زعموا في أنفسهم - عن العجم ، فأنا أكره أن يغيبهن ( عمن تبعث إليه ، أو يعرض عليه غيرهن ) وإن قدمت أنا عليه لم يقدر أن يغيبهن ، فابعثني وابعث معي رجلا من حرسك يفقه العربية ، ( حتى أبلغ ما تحبه ) فبعث معه رجلا جليدا ، فخرج به زيد ، فجعل يكرم ذلك الرجل ويلطفه حتى بلغ الحيرة . فلما دخل عليه أعظم الملك ، وقال : إنه قد أحتاج إلى نساء لأهله وولده ، وأراد كرامتك ( بصهره ) ، فبعث إليك . فقال : وما هؤلاء النسوة ؟ فقال : هذه صفتهن قد جئنا بها .