المقريزي
116
إمتاع الأسماع
سألهم هل تكفونني ما كنتم تلون ؟ قالوا : نكفيك العرب إلا النعمان . فلما دخل عليه النعمان رأى رجلا دميما فكلمه ، وقال له : أتستطيع أن تكفيني العرب ؟ قال : نعم ، قال : فكيف تصنع في بإخوتك ؟ قالوا : إن عجزت عنهم فإنا عن غيرهم أعجز . فملكه وكساه ، وألبسه تاجا قيمته ستون ألف درهم ، فيه اللؤلؤ والذهب . فلما خرج - وقد ملك - قال عدي بن أوس بن مرينا للأسود : دونك فإنك قد خالفت الرأي . ثم إن عدي بن زيد صنع طعاما في بيعة ، ثم أرسل إلى ابن مرينا أن ائتني بمن أحببت ، فإن لي حاجة ، فأتاه في ناس فتغدوا في البيعة ، وشربوا ، وقال عدي ( بن زيد ) لعدي بن مرينا : يا عدي إن الحق من عرف الحق ، ثم لم يلم عليه ، من كان مثلك ، أني قد عرفت أن صاحبك الأسود بن المنذر كان أحب إليك أن يملك من صاحبي النعمان ، فلا تلمني على شئ كنت على مثله ، وأنا أحب إلا تحقد علي شيئا لو قدرت عليه ركبته ، وأنا أحب أن تعطيني من نفسك ما أعطيتك من نفسي ، فإن نصيبي من هذا الأمر ليس بأوفر من نصيبك ، فقام عدي بن زيد إلى البيعة فحلف ألا يهجوه ولا يبغيه غائلة أبدا ، ولا يزوي عنه خبرا أبدا ، فلما فرغ عدي به زيد قام عدي بن مرينا ، فحلف على مثل يمينه ألا يزال يهجوه أبدا ، ويبغيه الغوائل ما بقي ، وخرج النعمان حتى نزل منزله بالحيرة ، فقال عدي بن مرينا لعدي بن زيد فقال فيه شعرا . وقال عدي بن مرينا الأسود : ( أما ) إذ لم تظفر فلا تعجز أن تطلب بثأرك من هذا المعدي ، الذي عمل بك ما عمل فقد كنت أخبرك أن معدا لا ينام مكرها ، أمرتك أن تعصيه فخالفتني ، قال : فما تريد ؟ قال : أريد ألا يأتيك فائدة من مالك وأرضك إلا عرضتها علي ، ففعل . وكان ابن مرينا كثير المال والضيعة ، فلم يك في الدهر يوم إلا على باب النعمان هدية من ابن مرينا ، فصار من أكرم الناس عليه ، وكان لا يقضى في ملكه شيئا إلا بأمر عدي بن مرينا ، وكان إذا ذكر عدي بن زيد عنده أحسن عليه الثناء ، وذكر فضله ، وقال : إنه لا يصلح المعدي إلا أن يكون فيه مكر وخديعة ، فلما رأى من يطيف بالنعمان منزلة ابن مرينا عنده لزموه وتابعوه ، فجعل يقول لمن يثق به من أصحابه : إذا رأيتموني أذكر عدي بن زيد عند الملك بخير فقولوا : إنه لكما تقول ، ولكنه لا يسلم عليه أحد ، وإنه ليقول : إن الملك - يعني النعمان - عامله ، وإنه ولاه ما ولاه ، فلم يزالوا بذلك حتى