المقريزي
9
إمتاع الأسماع
وخرجه مسلم ( 1 ) من حديث مالك بن أنس وعبد الله بن نمير وأبي معاوية ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : يا أمة محمد لو تعلمون ما أعلم ، لبكيتم كثيرا ، ولضحكتم قليلا .
--> ( 1 ) ( مسلم بشرح النووي ) : 15 / 120 - 121 ، كتاب الفضائل ، باب ( 37 ) توقيره صلى الله عليه وسلم وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه ، أو لا يتعلق به تكليف ، حديث رقم ( 2359 ) ، من حديث موسى بن أنس ، عن أنس بن مالك - رضي الله تبارك وتعالى عنه - قال : بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحابه شئ ، فخطب فقال : عرضت على الجنة والنار ، فلم أر كاليوم في الخير والشر ، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ، قال : فما أتى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أشد منه ، قال : غطوا رؤوسهم ولهم حنين ، قال : فقام عمر ، فقال : رضينا بالله ربا ، وبالاسلام دينا ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ، قال : فقاوم ذلك الرجل فقال : من أبي ؟ قال : أبوك فلان ، فنزلت : ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) . قال الإمام النووي : مقصود أحاديث الباب أنه صلى الله عليه وسلم نهاهم عن إكثار السؤال ، والابتداء بالسؤال عما لا يقع ، وكره ذلك لمعان منها : أنه ربما كان سببا لتحريم شئ على المسلمين فيلحقهم به المشقة ومنها : أنه ربما كان في الجواب ما يكره السائل ويسوؤه ، ولهذا أنزل الله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) ، وكما صرح به الحديث في سبب نزولها . ومنها : أنهم ربما أحفوه بالمسألة ، وألحفوه المشقة والأذى ، فيكون ذلك سببا لهلاكهم . قال الخطابي وغيره : هذا الحديث فيمن سأل تكلفا ، أو تعنتا فيما لا حاجة به إليه ، فأما من سأل لضرورة : بأن وقعت له مسألة فسأله عنها فلا إثم عليه ولا عتب ، لقوله تعالى : ( فاسألوا أهل الذكر ) قال صاحب ( التحرير ) وغيره : فيه دليل على أن من عمل ما فيه إضرارا بغيره كان آثما . قوله صلى الله عليه وسلم : عرضت على الجنة والنار فلم أر كاليوم في الخير والشر ، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا " فيه أن الجنة والنار مخلوقتان ، ومعنى الحديث : لم أر خيرا أكثر مما رأيته اليوم في الجنة ، ولا شرا أكثر مما رأيته في النار ، ولو رأيتم ما رأيت ، وعلمتم ما علمت مما رأيته اليوم وقبل اليوم ، لأشفقتم إشفاقا بليغا ، ولقل ضحككم ، وكثر بكاؤكم ، فيه دليل على أنه لا كراهة في استعمال لفظة " لو " في مثل هذا . والله تعالى أعلم . قوله : " غطوا رؤوسهم ولهم خنين " هو بالخاء المعجمة ، هكذا هو في معظم النسخ ، ولمعظم الرواة ، ولبعضهم بالحاء المهملة ، وممن ذكر الوجهين : القاضي ، وصاحب ( التحرير ) ، وآخرون . قالوا : ومعناه بالمعجمة صوت البكاء ، وهو نوع من البكاء دون الانتحاب ، قالوا : وأصل الحنين خروج الصوت من الأنف ، كالحنين بالمهملة من الفم . وقال الخليل : هو صوت فيه غنة . وقال الأصمعي : إذا تردد بكاؤه ، فصار في كونه عنه فهو حنين . وقال أبو زيد : الحنين مثل الخنين ، وهو شديد البكاء ( شرح النووي ) .