المقريزي
74
إمتاع الأسماع
السماء بدخان مبين ) إلى قوله : ( عائدون ) . ثم عادوا في كفرهم ، فأخذهم الله يوم بدر ، وهو قوله تعالى : ( يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ) . قال عبد الله : فقد مضى الدخان ، ومضت البطشة يوم بدر ومضى اللزام وهو يوم بدر ، ( آلم غلبت الروم ) ( 1 ) واللزوم قد مضى ، فقد مضت الأربع ( 2 ) . وله من حديث محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة عن سليمان ومنصور ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، قال عبد الله : إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق ، وقال ( قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ) . وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى قريشا استعصوا عليه قال : اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف فأخذتهم السنة حتى حصب كل شئ ، حتى أكلوا الجلود والعظام . وقال أحدهما : الجلود والميتة وجعل يخرج من الأرض كهيئة الدخان ، فأتاه أبو سفيان فقال : يا محمد إن قومك قد هلكوا فادع الله أن يكشف عنهم ، فدعا ، ثم قال : يعودون ، ثم قرأ هذه الآية : ( فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم ) ( 3 ) . فيكشف الله عنهم عذاب الآخرة . فقد مضى الدخان والبطشة واللزام ، وقال أحدهما : واللزوم . رواه جرير بن حازم ، وجرير بن عبد الحميد ، وعلي بن مسهر وأبو معاوية ووكيع في آخر ، عن الأعمش ، وقال الرياشي : لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اللهم اشدد وطأتك على مضر وأجعلها عليهم سنين كسني يوسف قال : فبقيت السماء سبع سنين لا تمطر ، واشتد الجهد بقيس فقدم وفد قيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم لبيد بن ربيعة ( 4 ) ، فلما مثلوا بين يديه فقام لبيد وقال :
--> ( 1 ) أول سورة الروم . ( 2 ) ( فتح الباري ) : 2 / 626 ، كتاب الاستسقاء ، باب ( 2 ) دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : " اجعلها عليهم سنين كسني يوسف " ، حديث رقم ( 1007 ) ، وفيه : " فالبطشة يوم بدر ، وقد مضت الدخان والبطشة واللزام ، وآية الروم . ( 3 ) راجع التعليق السابق . ( 4 ) هو لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب العامري ، وكان يقال لأبيه : ربيع المقترين لسخائه . وقتلته بنو أسد في حرب بينهم وبين قومه . وقيل غير ذلك . ويكنى لبيد أبا عقيل ، وكان من شعراء الجاهلية وفرسانهم ، وكان الحارث بن أبي شمر الغساني - وهو الأعرج - وجه إلى المنذر بن ماء السماء مائة فرس ، فلما تمكنوا منه قتلوه وركبوا خيلهم ، فقتل أكثرهم ونجا لبيد ، حتى أتى ملك غسان فأخبره الخبر ، فحمل الغسانيون على عسكر المنذر فهزموهم ، وقو يوم حليمة . وكانت حليمة بنت ملك غسان طيبت هؤلاء الفتيان حين توجهوا وألبستهم الأكفان والدروع وبرانس الإضريح [ ضرب من الأكسية ] . وأدرك لبيد الإسلام ، وقدم لبيد الكوفة وبنوه ، فرجع بنوه إلى البادية بعد ذلك ، فأقام لبيد إلى أن مات بها ، فدفن في صحراء بني جعفر بن كلاب ، ويقال : إن وفاته كانت في أول خلافة معاوية ، إنه مات وهو ابن مائة وسبع وخمسين ، ولم يقل في الإسلام إلا بيتا واحدا واختلف في البيت . قال أبو اليقظان هو : الحمد لله إذا لم يأتني أجلي * حتى كساني من الإسلام سربالا وقال له عمر بن الخطاب رضي الله تبارك وتعالى عنه أنشدني من شعرك ، فقرأ سورة البقرة وقال : ما كنت لأقول شعرا بعد إذ علمني الله سورة البقرة وآل عمران ، فزاده عمر في عطائه خمسمائة درهم ، وكان ألفين . فلما كان في زمن معاوية ، قال معاوية : هذان الفودان ، فما بال العلاوة يعني بالفودين الألفين ، وبالعلاوة الخمسمائة - وأراد أن يحطه إياها ، فقال : أموت الآن وتبقى لك العلاوة والفودان . فرمد له معاوية ، وترك عطاءه على حاله ، فمات بعد ذلك بيسير . ومما يستجد من شعره : وكل امرئ سيعلم سيعه * إذا كشفت عند الإله المحاصل وهذا البيت يدل على أنه قيل في الإسلام ، وهو شبيه بقول الله تبارك وتعالى : ( وحصل ما في الصدور ) [ العاديات : 10 ] ، أو كان لبيد قبل إسلامه يؤمن بالبعث والحساب . ( الشعر والشعراء ) : 167 - 174 ، ترجمة لبيد بن ربيعة مختصرا .