المقريزي

212

إمتاع الأسماع

وأما ظهور صدقه صلى الله عليه وسلم في موت ميمونة رضي الله تبارك وتعالى عنها بغير مكة فخرج البيهقي ( 1 ) من حديث موسى بن إسماعيل قال : حدثنا عبد الواحد ابن زياد حدثنا عبد الله بن الأصم : نقلت ميمونة رضي الله تبارك وتعالى عنها بمكة وليس عندها من بني أختها أحد فقالت : أخرجوني من مكة فإني لا أموت بها ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرني أني لا أموت بمكة ، فحملوها حتى أتوا بها سرف ، إلى الشجرة التي بني بها رسول الله صلى الله عليه وسلم تحتها ، في موقع القبة ، فماتت . ومن حديث عفان قال ( 2 ) : حدثنا عبد الواحد بن زياد فذكره وزاد : فماتت ، فلما وضعتها في لحدها أخذت ردائي فوضعته تحت خدها في اللحد فأخذه ابن عباس فرمي به . وأما ظهور صدقه صلى الله عليه وسلم في ركوب أم حرام البحر مع غزاة في سبيل الله كالملوك على الأسرة فخرج البخاري ( 3 ) ومسلم ( 4 ) من حديث مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك رضي الله تبارك وتعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

--> ( 1 ) ( دلائل البيهقي ) : 6 / 437 ، باب ما جاء في إخباره صلى الله عليه وسلم زوجته ميمونة بنت الحارث رضي الله تبارك وتعالى عنه أنها لا تموت بمكة ، فماتت بسرف سنة ثلاث وثلاثين . ( 2 ) ( المرجع السابق ) : 6 / 12 ، كتاب الجهاد والسير ، باب ( 3 ) الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء ، حديث رقم ( 2788 ) ، ( 2789 ) . ( 4 ) ( مسلم بشرح النووي ) : 13 / 61 - 62 ، كتاب الإمارة ، باب ( 49 ) فضل الغزو في البحر ، حديث رقم ( 1912 ) . وفيه معجزات للنبي صلى الله عليه وسلم منها إخباره ببقاء أمته بعده وأنه تكون لهم شوكة وقوة وعدد ، وأنهم يغزون ، وأنهم يركبون البحر ، وأن أم حرام تعيش إلى ذلك الزمان ، وأنها تكون معهم وقد وجد بحمد الله تعالى كل ذلك . وفيه فضيلة لتلك الجيوش وأنهم غزاة في سبيل الله . واختلف العلماء متى جرت الغزوة التي توفيت فيهما أم حرام في البحر وقد ذكر في هذه الرواية في مسلم أنها ركبت البحر في زمان معاوية فصرعت عن دابتها فهلكت قال القاضي : قال أكثر أهل السير والأخبار أن ذلك كان في خلافة عثمان بن عفان - رضي الله تبارك وتعالى عنه - وأن فيها ركبت أم حرام وزوجها إلى قبرس فصرعت عن دابتها هناك . فتوفيت ودفنت هناك . وعلى هذا يكون قوله في زمان معاوية معناه في زمان غزوة في البحر لا في أيام خلافته قال : وقيل : بل كان ذلك في خلافته قال وهو أظهر في دلالة قوله في زمانه . وفي هذا الحديث جواز ركوب البحر للرجال والنساء وكذا قاله الجمهور وكره مالك ركوبه للنساء لأنه لا يمكنهن غالبا التستر فيه ولا غض البصر عن المتصرفين فيه ولا يؤمن انكشاف عوراتهن في تصرفهن لا سيما فيما صغر من السفيان مع ضرورتهن إلى قضاء الحاجة بحضرة الرجال . قال القاضي - رحمه الله تعالى - وروي عن عمر بن الخطاب ، وعمر بن عبد العزيز - رضي الله تبارك وتعالى عنهما - منع ركوبه ، وقيل : إنما منعه العمران للتجارة وطلب الدنيا لا للطاعات وقد روى ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن ركوب البحر إلا لحاج أو معتمر أو غاز . وضعف أبو داود هذا الحديث وقال : رواته مجهولون واستدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن في القتال في سبيل الله تعالى والموت فيه الأجر ، لأن أم حرام ماتت ولا دلالة فيه لذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لم يقل : إنهم شهداء ، إنما يغزون في سبيل الله ، ولكن قد ذكر مسلم في الحديث الذي بعد هذا بقليل حديث زهير بن حرب من رواية أبي هريرة من قتل في سبيل الله فهو شهيد ، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد ، وهو موافق لمعنى قول الله تعالى : ( ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ) .