المقريزي
145
إمتاع الأسماع
ونقل عن الحسن أن ذلك كان على سبيل الوسوسة ولم يتمثل لهم ، هذا مبني على ما أصله المعتزلة من امتناع رؤية الجن أو امتناع وجودهم ، والقرآن والسنة وآثار السلف يردون ( 1 ) ذلك ، قال ابن إسحاق ، وقد ذكر الحرب التي كانت بين قريش وبين بني بكر : وحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال : لما أجمعت قريش المسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر فكان يثنيهم فتبرى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي ، وكان من أشراف بني كنانة فقال : أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم ، فخرجوا سراعا . ثم ذكر محمد بن إسحاق من رواية أبي محمد عبد الملك بن هشام وقعة بدر إلى أن قال : وعمير بن وهب أو الحارث بن هشام فذكر أحدهما رأي إبليس حين نكص على عقبيه يوم بدر فقال : أين سراقة ؟ ومثل عدو الله فذهب فأنزل الله فيه . ( وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ) فذكر استخراج إبليس إياهم وتشبهه بسراقة بن مالك بن جعشم لهم حين ذكروا ما بينهم وبين بني بكر من عبد مناة بن كنانة في الحرب التي كانت بينهم بقول الله عز وجل ( فلما تراءت الفئتان نكص ) ونظر عدو الله إلى جنود الله من الملائكة قد أيد الله بهم رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على عدوهم ( نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون ) وصدق عدو الله ، رأى ما لم يروا وقال : ( إني أخاف الله والله شديد العقاب ) فذكر لي أنهم كانوا يرونه في كل منزل في صورة سراقة لا ينكرونه ، حتى إذا كان يوم بدر والتقى الجمعان نكص على عقبيه فأوردهم ثم أسلمهم ( 2 ) .
--> ( 1 ) في الأصل : " يردان " ، وما أثبتناه حق اللغة . ( 2 ) ( سيرة ابن هشام ) : 3 / 215 - 216 ، من رأى إبليس عندما نكص على عقبيه يوم بدر ، وقال في هامشه : وذكر غير ابن إسحاق : أن الحارث بن هشام تشبث به ، وهو يرى أنه سراقة ابن مالك ، فقال : إلى أين يا سراقة ؟ أين تفر ؟ فلكمه لكمة طرحه إلى قفاه . وإنما تمثل في صورة سراقة المدلجي ، لأنهم خافوا من بني مدلج أن يعرضوا لهم ، فيشغلوهم من أجل الدماء التي كانت بينهم ، فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة المدلجي ، وقال : إني جار لكم من الناس ، أي من بني مدلج . ويروى أنهم رأوا سراقة بمكة بعد ذلك ، فقالوا له : يا سراقة ! أخرقت الصف ، وأوقعت بنا الهزيمة ، فقال : والله ما علمت بشئ من أمركم حتى هزيمتكم ، وما شهدت ، وما علمت ، فما صدقوه ، حتى أسلموا وسمعوا ما أنزل الله تعالى ، فعلموا أنه إبليس تمثل لهم . وقول اللعين : ( إني أخاف الله ) لأهل التأويل فيه أقوال ، أحدها : أنه كذب من قوله : إني أخاف الله ، لأن الكافر لا يخاف الله ، والثاني : أنه رأى جنود الله تنزل من السماء ، فخاف أن يكون اليوم الموعود الذي قال الله فيه : ( يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ) ، الثالث : إنما خاف أن تدركه الملائكة لما رأى من فعلها بحزبه الكافرين .