ميرزا محمد حسن الآشتياني

95

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

عدم جواز الخروج عن القاعدة العقليّة بالخبر لما عرفت من أن الإذن الوارد من الشارع يرفع صغرى حكم العقل بوجوب الدفع بل من جهة عدم دلالة تلك الأخبار وظهورها في ارتكاب البعض ولو من جهة إجمالها وعبارة الكتاب وإن لم يخل عن شيء لكن لا بدّ من حملها على ما ذكرنا في بيان المراد [ في ذكر الأخبار الظاهرة في عدم جواز الارتكاب في الشبهة المحصورة ] ( قوله ) والمرسل المتقدّم اتركوا إلخ ( 1 ) ( أقول ) لا يخفى عليك أن الاستدلال بالمرسل مبني على كون الأمر للوجوب كما هو الظاهر لا للطلب الراجح المشترك بينه وبين الاستحباب كما تقدّم في أخبار التوقف والاحتياط ( قوله ) وحيث إن دفع العقاب المحتمل إلى آخره ( 2 ) ( أقول ) لا يخفى عليك أن هذا ليس استدلالا بحديث التثليث بل هو استدلال بحكم العقل ليس إلا كما هو ظاهر كلامه هنا وقد تقدّم أيضا عند الجواب عن استدلال الأخباري أن مفاده هو الطلب القدر المشترك بين الوجوب والاستحباب وكلما يحكم بخصوص الوجوب والاستحباب فإنما هو من جهة إحراز الهلكة المقتضية لهما فلا بد أن يكون من دليل آخر فذكر هذا الخبر في المقام مما لا جدوى فيه أصلا كما لا يخفى حيث إنه لا ينفع في إحراز الموضوع ولا في حكمه بعد إحرازه من الخارج والحاصل أن حاصل هذا الاستدلال يرجع إلى التمسّك بنفس القاعدة العقليّة لا إلى ما يعاضدها [ في الإشكالات الواردة على الاستدلال بحديث التثليث في المقام ] ( قوله ) وفائدة الاستدلال إلخ ( 3 ) ( أقول ) الظاهر أن مراده من الخبر هو الجنس حتى يشمل جميع ما تقدم من الأخبار لا خصوص حديث التثليث حتى يكون للعهد وهذا الذي ذكرنا وإن كان خلاف ظاهر كلامه في بادي النظر إلا أنه بعد التأمّل فيه صدرا وذيلا وهو قوله بالنبويين يظهر أنه المراد ليس إلّا هذا ولا يخفى عليك أن فيما ذكره إشكالات لا محيص عنها ( أحدها ) أنه كيف حكم بوقوع التعارض بين حديث التثليث وما دلّ على البدليّة مع أن حديث التثليث على فرض دلالته نظير حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل وما دل على البدليّة رافع لاحتمال الضرر فهو وارد على حديث التثليث لا معارض له ( ثانيها ) أنه كيف حكم بحكومة ما دل على البدليّة على ما دل على الاجتناب عن عنوان المحرّم الواقعي فإنه إن أراد منه دليل تحريمه ففيه أنه لا يدلّ على وجوب الاحتياط حتى يصير دليل البدليّة حاكما عليه وإن أريد منه حكم العقل بوجوب الاحتياط من جهة دفع الضرر المحتمل على أبعد الاحتمالات ففيه أن دليل الإذن والبدليّة وارد عليه ضرورة عدم تصوير الحكومة بالنسبة إلى الأحكام العقليّة وإن أريد منه دليل تحريم العنوان الواقعي بملاحظة حكم العقل المذكور ففيه أنه لا يتصوّر الحكومة أيضا كما هو الظاهر اللّهم إلا أن يتسامح في الدلالة فإنه لولا الدليل الدّال على تحريم العنوان الواقعي لم يحكم العقل بوجوب الاحتياط أو في لفظ الحكومة على أبعد الاحتمالين بجعل المراد منها الأعم من الورود هذا كلّه مضافا إلى ما في جعل دليل الإذن والتخيير حاكما على دليل تحريم العنوان الواقعي مع أنه ليس في مرتبته ضرورة استحالة ذلك وإن كان يوهمه ما أفاده في المقام وفي الجزء الأول من الكتاب وقد مضى شطر من الكلام عليه في الجزء الأول من التعليقة فراجع إليه ثمّ هذا كله على تقدير تسليم ما أفاده من دلالة دليل جواز الارتكاب في الجملة على البدليّة وإلّا فما أفاده ساقط من جهة أخرى أيضا وإن كانت الثمرة بين ما أفاده من البدليّة وما ذكرنا ظاهرة فإنه يترتّب على البدلية الظاهريّة جميع آثار الحرام والنجس لو كان هو المعلوم بالإجمال في مرحلة الظاهر فيحكم بتنجّس ملاقي المتروك وعلى ما ذكرنا يحكم بوجوب الاجتناب عن الباقي من حيث كونه من أطراف العلم الإجمالي ومن باب الاحتياط فلا يترتّب عليه آثار الحرام ولا النجس وهذا وإن كان لازم ما أفاده إلّا أن التزامه به في غاية الإشكال اللّهمّ إلا أن يكون مراده من البدلية مجرد القيام مقام الحرام الواقعي في وجوب الاجتناب فتدبّر ( ثالثها ) أنه كيف حكم بأن مثل حديث التثليث مخصّص لما دلّ على البدليّة أو معارض له مع عدم استقامته بظاهره فإنه إن كان المراد من دليل البدليّة الأخبار العامّة الدالّة على حلّيّة المشتبه بالتقريب الذي تقدّم من مدّعي الدلالة مثل قوله كل شيء لك حلال الحديث ففيه أنه معارض لحديث التثليث ونحوه بالتعارض التبايني على تقدير شمولهما للشبهة الحكمية والموضوعيّة وتسليم دلالة حديث التثليث على وجوب الاحتياط لا على الطلب القدر المشترك كما هو محصّل ما أفاده في المقام وكذا على تقدير اختصاصهما بالشبهة الموضوعيّة ودلالتهما على صورة العلم الإجمالي كما هو المفروض وأخصّ مطلقا من حديث التثليث ونحوه على تقدير اختصاصه بالشبهة الموضوعيّة كما هو ظاهر بعض أخبارها على ما عرفت الكلام فيه في محلّه فالإضراب من المعارضة إلى التخصيص لا معنى له إلا على تقدير تخصيص حديث التثليث بالشبهات الموضوعية وتعميم دليل الحلّيّة للشبهة الحكميّة وهما كما ترى اللّهمّ إلا أن يراد بتيقّن إرادة الشبهة الموضوعيّة المقرونة بالعلم الإجمالي من حديث التّثليث ونحوه فيكون بمنزلة الخاص المطلق فتدبر نعم يستقيم ما أفاده على هذا التقدير بالنسبة إلى غير حديث التثليث المختصّ بصورة العلم الإجمالي ممّا ذكره من الأخبار وإن كان الأخبار الخاصّة الواردة في خصوص الشبهة المحصورة مثل ما ورد في باب الربا ونحوه فلا إشكال في كونه أخصّ مطلقا من حديث التّثليث اللهم إلا أن يقال بأنّ تخصيصه بالأخبار الخاصّة يوجب حمله على الشبهة الابتدائية بملاحظة عدم الفرق في حكم أفراد الشبهة المحصورة وهو كما ترى ومن هنا ذكرنا كون إرادة الشبهة المحصورة متيقنة من الحديث فتخصيصه توجب طرحه رأسا أو حمله على مطلق الطلب لكنّه على هذه الملاحظة أيضا لا يكون الحديث أخصّ مطلقا من الأخبار الخاصّة غاية الأمر التباين بينهما كما لا يخفى هذا كله بالنسبة إلى حديث التثليث وأما بالنسبة إلى النبويّين على تقدير إرادة المرسل وما قبله منهما كما هو الظاهر إذ لا يناسب إرادة غيرهما فلا إشكال في كون الأخبار الواردة في الموارد الخاصّة أخصّ مطلقا منهما مع قطع النظر عن الخارج فإنهما وإن كانا واردين في الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي إلا أنهما عامان لمطلق الشبهة المقرونة بالعلم من غير اختصاص بمورد خاص وتلك الأخبار وردت في موارد خاصّة فيكون أخصّ منهما وأما بملاحظة الخارج وهو عدم التفصيل في حكم أفراد الشبهة المحصورة فتنقلب نسبة العموم والخصوص إلى التباين فالأخبار الخاصة أخصّ مطلقا من حديث التثليث والنبويّين على تقدير