ميرزا محمد حسن الآشتياني
78
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )
فالبيان القاطع للعذر الموجب لصحة المؤاخذة وحسنها هو هذا المعنى الذي ذكرنا فمع انتفائه يقبح في حكم العقل المؤاخذة وإن اتفقت مخالفة العمل للواقع فإذا لم يعلم المكلّف بوجود الموضوع الذي تعلّق به الخطاب فلا يعلم بتوجّه الخطاب إليه وإن كان أصل تعلّقه في نفس الأمر تابعا لتحقّق موضوعه وإن لم يعلم المكلّف به فلا فرق بينه من هذه الجهة وبين عدم علمه بصدور الخطاب من الشارع أصلا فإنه لا يمنع إلّا من جهة توجّه الخطاب إليه وإلّا فأصل تعلّق الخطاب لا يعقل توقّفه على العلم في الشبهات الحكميّة وإن أمكن في الشبهات الموضوعيّة بدعوى وضع اللفظ للمعلوم التفصيلي أو انصرافه إليه أو قيام الدليل والقرينة الخارجيّة عليه إلا أنه لا يفيد بعد كون الوقوع على خلافه كما بيّن في محلّه ومن هنا يرجع إلى البراءة في المقامين فإنّه على التوهّم المذكور لم يكن معنى للرّجوع إليها في الشبهات الموضوعيّة أصلا كما لا يخفى وبالجملة مناط الرجوع إلى البراءة في حكم العقل في الشبهة الحكميّة موجود في الشبهة الموضوعيّة مطلقا من غير فرق بين الموضوعيّة التحريميّة والوجوبيّة كما أن وجه منعه وحكمه بالاشتغال متحقق في الشبهتين من غير فرق فإنه كما يحكم العقل في زعم المتوهّم بعد علم المكلّف بصدور الخطاب الإلزامي المتعلّق بالفعل مع تبيّن موضوعه بوجوب تحصيل العلم بالبراءة عنه بفعل كلّ ما يحتمل كونه مصداقا لمتعلّق الخطاب كذلك يحكم بعد علمه بصدور النهي عن الشارع وتعلّقه بالموضوع المبيّن مفهوما المشكوك وجوده في الخارج لوجوب تحصيل العلم بالانتهاء بترك ما يحتمل كونه من مصاديق متعلّق النهي من غير فرق بينهما أصلا والغرض المهمّ إثبات عدم الفرق بين الشبهتين وإلّا فقد أوضحنا فساد الشبهة المذكورة في مطاوي كلماتنا بما لا مزيد عليه وأنه لا يعدّ مجرّد العلم بصدور الخطاب دليلا على الحكم مع الشكّ في الموضوع والصغرى كما هو الشأن في جميع القضايا فإن العلم بالنتيجة نتيجة العلم بالمقدّمتين لا العلم بالكبرى فقط وإن لم يتوقّف أصل وجود المحمول في نفس الأمر على العلم بتحقّق الموضوع كما لا يتوقف على العلم بالكبرى أيضا وهذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا قد أوضحه شيخنا الأستاذ العلّامة قدس سره في الكتاب في هذا المقام وغيره ( ثمّ ) إنه لا فرق فيما ذكرنا من جريان دليل البراءة في المقام بين عدم العلم بوجود موضوع الخطاب أصلا ورأسا وبين العلم بوجود موضوعه في الجملة مع تردّده بين الأقلّ المتيقّن والأكثر المشكوك بالشكّ المستقلّ كما إذا علم إجمالا بفوائت مردّدة بين الأقلّ والأكثر سواء علم بعينها ولم يعلم عددها كما إذا علم بفوت الصبح منه فقط ولكن لا يعلم عددها أو لم يعلم بعينها كما إذا علم بفوت إحدى الثنائية والثلاثية منه مع عدم علمه بالعدد فإنه لا يجب في حكم العقل والنقل الإتيان بالزائد المشكوك في جميع الصور كما أنه لا يجب الإتيان بالمشكوك فيما لم يعلم بالفوت أصلا كما أنه لا فرق في صورة العلم الإجمالي بين علم المكلّف بعلمه تفصيلا بالفوائت في زمان عقيب الفوت وطروّ النسيان له الذي أوجب تردّده وبين عدم علمه بذلك سواء علم بعدم علمه وغفلته أو لم يعلم ذلك أيضا فإن الحكم في جميع ذلك هو البناء على الأصل ونفي الزائد المشكوك فعلا بالأصل هذا ولكن صريح الأكثرين وظاهر المشهور مخالفة الأصل المذكور في خصوص الفوائت الغير المعلوم عددها فالتزموا بوجوب الاحتياط بإتيان الأكثر إلا إذا بلغت الكثرة حدّا يوجب الجرح من إتيانه فاكتفوا بالظنّ بناء على الأصل الثابت عندهم من قيامه مقامه مطلقا فيما كان في تحصيله الجرح مع اقتضاء الدليل وجوبه من غير فرق بين الأحكام والموضوعات بل المحكيّ عن التذكرة كما في الكتاب نسبة القول بعدم وجوب الاحتياط إلى الشافعيّة ولم يلتزموا برفع اليد عن الأصل المذكور في نظائر المسألة بل التزموا فيها به على ما حكاه عنهم شيخنا الأستاذ العلّامة قدس سره في الكتاب وإن لم أقف على الفرق عندهم بعد التتبّع بحسب وسعي وبضاعتي لكنه قدس سره مصدّق في حكايته جدّا فإنه عالم بمواقع كلماتهم ومحالّها مع أنّ مثله يصدّق قطعا فيما كان إخباره عن حدس واستنباط أيضا وإن كان استدلالهم لوجوب الاحتياط في المسألة كما هو ظاهر لمن راجع إلى كلماتهم يقتضي عدم الفرق حدّا ويكفي في ذلك ملاحظة ما حكاه شيخنا قدس سره عنهم قدس سرهم في الكتاب سيّما ما حكى عن الشيخ قدس سره في التهذيب فإنه ينادي بأعلى صوته بعدم الفرق كما هو ظاهر فيغلب على الظنّ كون مراد شيخنا قدس سره عدم وقوفه على حكمهم بوجوب الاحتياط في اشتباه المسألة بعد الفحص في كلماتهم فتأمل فيما أفاده في الكتاب وإن كان ظاهره استظهار الرجوع إلى البراءة في نظائر المسألة لكنه يقبل الحمل على ما ذكرنا فتدبّر [ في الاستدلال على وجوب الاحتياط في المقام بوجوه ] ( ثمّ ) إنه قد يستدلّ لوجوب الاحتياط والإتيان بالأكثر في مفروض المسألة بوجوه ( أحدها ) قاعدة الاشتغال بالبيان الذي ذكره الشيخ قدس سره وتبعه غيره وقد عرفت الإشارة إليه ولما كان الاستدلال بها بعد خروج الوقت ومرجع الشكّ بالنسبة إلى الزائد بعد الوقت إلى الشكّ في أصل التكليف المستقلّ من جهة انحلال العلم الإجمالي بالقياس إلى طرفيه في مفروض البحث إلى معلوم الإلزام ومشكوكه رأسا فلا معنى لجريان قاعدة الاشتغال بالنسبة إليه جدّا فالاستدلال بها في كمال الفصاحة أراد به شيخنا قدس سره تصويرا لمطلبهم بتطبيقه على قاعدة الاشتغال المسلّمة عندنا وعند الكلّ على القول بكون القضاء بالفرض الجديد إذ على القول بكونه بالفرض الأوّل ومن مقتضيات الخطاب المتعلّق بالفعل في الوقت لم يكن هناك إشكال في جريان قاعدة الاشتغال إذا شكّ بعد الوقت على هذا القول نظير الشكّ في الوقت في إتيان المأمور به ولا إشكال ولا خلاف في كون مقتضى قاعدة الاشتغال وجوب الإتيان به إذا شكّ فيه قبل خروج الوقت وحاصل ما أفاده في التطبيق بقوله وإن شئت تطبيق ذلك على قاعدة الاحتياط اللازم إلى آخره يرجع إلى أن ملاك الفرق بين القولين في