ميرزا محمد حسن الآشتياني

7

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

وبعبارة أخرى المعتبر في مجاري الأصول الجهل بالحكم الشرعي حدوثا وبقاء بجميع مراتبه ما يكون مجهولا مطلقا فلو علم به من حيث قيام الظّن المعتبر به خرج عن كونه مجهولا بهذا العنوان وإن كان مجهولا بحسب بعض مراتبه وهو ثالثة ثبوته وبعبارة في نفس الأمر وفي ذات الموضوع من حيث هي وهذا الوجه كما ترى لا يساعد عليه الأدلّة الشرعيّة القائمة على الأصول خصوصا الاستصحاب فإنه وإن أمكن القول به بالنّسبة إلى بعض أدلة البراءة كتابا وسنّة كما ستقف عليه إلا أنّه خلاف مدلول أكثرها كقوله عليه السلام كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهي وقوله كلّ شيء لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه ونحوهما ممّا سيمرّ عليك وكيف كان لا إشكال في ضعف هذا الوجه ( ثانيها ) كون الدليل الظنّي معارضا للأصل المذكور ومخصّصا له وهذا الوجه يظهر من كلمات السيّد السند صاحب الرياض قدس سرّه فإنه كثيرا ما سلك هذا المسلك في تقابل الدليل الظني مع الأصل ويقول يخرج عن الأصل بالدليل أو يخصّص الأصل بالدليل أو نرجح الدليل على الأصل ونحوها من العبارات الظاهرة في ذلك وكلامه وإن كان مطلقا شامل للأصل العقلي أيضا إلّا أنه لظهور فساده يحمل على مقابلته مع الأصل الشرعي ضرورة عدم تصوّر التعارض والتخصيص بالنسبة إلى الأصل العقلي ووجهه ما أفاده شيخنا قدس سره في الكتاب من أنّ دليل الأصل يثبت مفاده في موضوع عدم العلم بالواقع سواء قام هناك الأمارة التي دلّ الدليل على حجيّتها كخبر العادل مثلا أم لا فإن اعتبار خبر العادل وإن كان علميّا كاعتبار الأصل إلّا أنّ مفاده ليس علما وإلّا خرج عن الدليل الظّني فخبر العادل الدال على حرمة بعض الموضوعات يدلّ على حرمته مع عدم العلم بحكمه الواقعي وما دلّ على أصالة الإباحة أيضا يدل على إباحته مع عدم العلم بحكمه الواقعي فكلّ منهما بالظن إلى دليل اعتباره يثبت حكما ظاهريّا على خلاف الآخر في الموضوع الواحد وهذا معنى تعارضهما وأمّا وجه ترجيح الدليل على الأصل وتخصيصه به مع كون النسبة بين دليلهما العموم من وجه كون دليل الحرمة بمنزلة الخاص المطلق بالنّسبة إلى دليل الأصل بملاحظة الإجماع القائم على عدم الفرق في حجيّة الخبر ووجوب الأخذ به بين وجود الأصل على خلافه وعدمه فإنه بعد قيامه لو عمل بدليل الأصل في مادّة التعارض لزم طرح الخبر في مورد سلامته للملازمة الثابتة بينهما بالفرض فيلزم طرح الخبر رأسا وهذا بخلاف ما لو علمنا بالخبر في مادّة التّعارض فإنه لا يلزم منه طرح الأصل في مادّة الافتراق فيصير الخبر بمنزلة الخاص المطلق والأصل بمنزلة العام المطلق وهذا معنى ما ذكرنا من كون دليل الجزء بمنزلة الخاص بالنسبة إلى دليل الأصل فإن شئت قلت إن التعارض بينهما وإن كان العموم من وجه إلّا أن دليل حجيّة الخبر أظهر دلالة من دليل اعتبار الأصل فيلزم العمل عليه في مادة التعارض وهذا معنى تخصيص الأصل بالدليل وترجيحه عليه وهذا الوجه كما ترى وإن كان له وجه في بادي النظر وظاهره إلا أنه لا إشكال في ضعفه أيضا بعد التأمّل كما يظهر وجهه من بيان الوجه الثالث الذي اختاره شيخنا قدس سره [ في حكومة الدليل الظّني على الأصل ] ( ثالثها ) ما جزم به قدس سره في الكتاب في هذا المقام بقوله ولكن التحقيق أن دليل تلك الأمارة إلى آخره وفي غيره من حكومة الدليل الظنّي بالنظر إلى دليل حجيّة على الأصل الشرعي حيث إنه بمدلوله ناظر إلى دليل الأصل وشارح ومفسّر له ومبيّن لمقدار مدلوله فهو مقدّم عليه بالتقدّم الذاتي لا لمكان الترجيح والتخصيص فلا معارضة بينهما حقيقة أصلا توضيح ذلك أن معنى حجيّة الخبر مثلا ووجوب البناء على صدقه وترتيب آثار الواقع عليه هو عدم الاعتناء باحتمال كذبه في إخباره الذي يراعى شرعا لولا الحكم بحجيّته ومن المعلوم أنّ نفي الاعتناء بالاحتمال المذكور شرعا راجع إلى إلقاء ما يقابل عند احتمال كذبه من الرجوع إلى الأصل بحكم الشارع وبعد إلقاء الوسائط يكون معنى حكم الشارع بحجّية الخبر في معنى رفع اليد عن الأصل وهذا معنى كونه شارحا له وناظرا إليه وهو ما ذكرنا من الحكومة ومنه يظهر فساد القول بالتعارض والترجيح والتخصيص في المقام ( ثمّ ) إن هذا الذي ذكرنا من حكومة الدليل الظّنيّ على الأصل الشرعي إنما هو في الأصل الأعمّ وأما إذا فرض هناك أصل أخصّ من دليل اعتبار الأمارة الظّنيّة بمعنى وجود الأمارة المفروضة في جميع موارد جريانه فلا معنى لحكومته على الأصل بل يتعيّن تخصيصه بالأصل كما إذا قيل باعتبار الاستصحاب من باب الظّن في مقابل قاعدة الشك بعد الفراغ عن العمل أو بعد التجاوز عن المحلّ أو بعد خروج الوقت بناء على القول باعتبارها من باب التعبّد الظاهري أو في مقابل البناء على الأكثر عند الشك في الأخيرتين من الرباعيّة بناء على جريان الاستصحاب فيه على ما زعمه بعض أفاضل مقاربي عصرنا في باب الاستصحاب كما سيجيء نقله في محله فإنه لا مناص عن تخصيص الاستصحاب بالأصلين وهذا لا يختصّ بالمقام بل هو جار بالنسبة إلى جميع ما يكون حاكما على أدلة الأحكام كدليل نفي الحرج والضرر وأشباههما فإنه لا معنى لحكومتها على ما يثبت خلافها في مورد الخاص فلو قام هناك دليل على ثبوت حكم حرجيّ في مورد أو ضرريّ كالتصرف في مال الغير فيما يتوقّف حفظ النفس عليه فلا ينظر إلى كونه حرجيا أو ضرريّا وهذا أمر واضح لا سترة فيه أصلا هذا بعض الكلام فيما يتعلق بالمقام وسنتكلم في تمامه في الجزء الرابع من التعليقة إن شاء الله تعالى ( قوله ) قدس سره واعلم أن