ميرزا محمد حسن الآشتياني
67
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )
على وجوب الاحتياط في موارده والأخبار الدالة على حرمة نقض اليقين بالشكّ في الشبهات الحكميّة فإن الشكّ في المكلّف به وسبق اليقين ليسا دليلا على الحكم الظاهري حقيقة وإنما هما من قبيل الموضوع له فكذا المقام فتدبّر هذا ملخّص ما يقال في تقريب الجواب الثالث وأورد عليه شيخنا قدس سره بوجوه ( أحدها ) كونه خلاف ظاهر كلمة القائلين بالتسامح فإن ظاهرها كما لا يخفى لمن راجع إليها جعل خبر الضعيف حجّة في السنن والاستدلال لها به وجعل الأخبار المذكورة دليلا على حجيّة خبر الضعيف ومن هنا ذكروا أنه يتسامح في أدلّة السنن والفضائل ( ثانيها ) أن ما ذكروه يرجع عند التأمّل إلى التمسّك بالخبر الضعيف في باب السنن وجعله حجّة فيه إذ لا فرق بين أن يقال كل فعل دلّ خبر ضعيف على استحبابه فهو مستحبّ وبين أن يقال كل خبر ضعيف حجّة في إثبات الاستحباب فإن معنى حجيّة الشيء في الأدلّة الظنّيّة جعله موضوعا للحكم الظاهري ووسطا لحكم متعلّقه ( ثالثها ) أنا نسلّم الفرق بين المعنيين وأن مرجع التسامح في السنن ليس إلى كون خبر الضعيف حجّة في مدلوله بحيث يصدّق فيه ويترتّب عليه أحكام بل إلى كون الخبر موجدا لموضوع بلوغ الثواب والدليل على استحباب هذا الفعل الأخبار المتقدمة نظير احتمال التكليف الإلزامي الذي قضى بوجوب الاحتياط فيه ما دلّ على الاحتياط ونظير احتمال بقاء الثابت سابقا الذي قضى على البناء بالبقاء فيه الأخبار النّاهية عن نقض اليقين بالشك كما ذكروه [ في تحقيق أن المسألة مسألة أصولية ] لكن نقول إن مرجعه إلى إثبات المسألة الأصوليّة عند التحقيق بالأخبار المذكورة لا إثبات المسألة الفرعيّة ومن هنا منع المحقق قدس سره من التمسّك بالنبوي دع ما يريبك إلى ما لا يريبك في إثبات وجوب الاحتياط من حيث إنه مسألة أصوليّة لا يجوز التمسّك لها بالخبر الواحد والمحقق السبزواري وبعض أخر من التمسّك بأخبار الاستصحاب من حيث إن مسألة الاستصحاب مسألة أصوليّة لأن الحكم المستنبط من الأخبار المذكورة لا ينفع العامي ولا يتعلق بالعمل بلا واسطة كما أن الحكم المستنبط من قوله لا تنقض اليقين بالشكّ في الشبهة الحكميّة لا ينفع العامي من حيث توقّفه على إحراز أركانه بالفحص وعدم قيام دليل على خلافه كما أن التشبث بذيل الخبر الضعيف نظرا إلى الأخبار المذكورة يتوقّف على فهم مدلوله وعدم احتمال الحرمة في المسألة وعدم قيام دليل معتبر على خلافه فالأخبار المذكورة كأخبار الاستصحاب والاحتياط ينفع المجتهد والمستنبط فقط ولا حظّ للعامي فيها وإن كان الحكم المستنبط في الجزئيّات ينفع المجتهد والعامي كما أن الخبر الدّال على وجوب فعل يعمل به الفريقان مع أن حجيّته لا ينفع العامي والوجه في ذلك أن المسألة الأصوليّة لما مهّدت للاستنباط فلا ينفع إلا للمستنبط وهذا بخلاف المسألة الفرعيّة فإنه يشترك فيه الفريقان بعد استنباط المجتهد حكمها من الأدلّة كوجوب السورة أو الاستعاذة أو البناء على الأكثر في شكوك الصّلاة أو عدم الالتفات إلى الشّكّ بعد التجاوز إلى غير ذلك من الجزئيّات والكليّات فإنها أحكام لموضوعات أفعال المكلّفين لا مدخل لخصوص المجتهد في موضوعها وينفع الفريقان ويعملان بهما بعد الاستنباط وهذا بخلاف المقام فإنه كالعمل بالأدلّة والأصول في الشبهات الحكميّة من حيث توقف العمل على تشخيص مداليلها ومجاريها والفحص عن معارضاتها فكما أنه ليس للمفتي أن يقول للعامي خذ بمقتضى الحالة السابقة فيما شككت من بقاء الحكم الشرعي الكلي كذلك لا يجوز له أن يقول للعامي خذ بالخبر الضعيف الدالّ على استحباب فعل إذا لم يكن هناك معارض وهذا بخلاف الاستصحاب في الموضوعات فإنه حكم فرعيّ يشترك فيه المجتهد والمقلّد ومن هنا يكون مسألة فرعيّة ولو قلنا باعتباره من باب الظنّ ومن هنا يظهر أن تنظر المقام بالعمل باليد وقاعدة الطهارة في الشبهات الموضوعيّة ليس ممّا ينبغي بل نظير المقام العمل بالقاعدة في الشبهات الحكميّة لا يقال العمل بالخبر الضعيف الدال على استحباب فعل يشترك فيه المجتهد والعامي غاية ما هناك كون المجتهد نائبا عن العامي في تشخيص مدلول الخبر ودفع معارضاته لأنا نقول ما ذكر جار بالنسبة إلى جميع المسائل الأصوليّة فإنه كما يعمل المجتهد بخبر العادل في الفروع كذلك يعمل العامي به غاية الأمر كون المجتهد نائبا عنه في تشخيص مدلول الخبر ودفع معارضاته ومن هنا جاز للعامي في زمان الحضور العمل بالروايات كما جاز له التقليد والعمل بالفتاوي مع أنه لم يقل أحد بكون مسألة حجيّة خبر الواحد مسألة فرعيّة فاختصاص مسائل الأصوليّة في زماننا هذا وأشباهه بالمجتهد إنما هو عارضيّ من جهة قدرته على العمل بها وعجز العامي عنها هذا ما لخّصناه من إفاداته بطولها في الرسالة في الإيراد على الجواب الثالث وقال قدس سره بعد ما لخصناه ما هذا لفظه إذا عرفت ما ذكرنا ظهر لك أن قاعدة التسامح مسألة أصوليّة لأنها بعد إتقانها واستنباط ما هو مراد الشارع منها في الأخبار المتقدّمة فهو شيء يرجع إليه المجتهد في استحباب الأفعال ولا ينفع المقلّد في شيء لأن العمل بها يحتاج إلى إعمال ملكة الاجتهاد وصرف القوّة القدسية في استنباط مدلول الخبر والفحص عن معارضة الراجح عليه أو المساوي له أو نحو ذلك ممّا يحتاج إليه العمل بالخبر الصحيح فهو نظير مسألة حجية الخبر الواحد ومسائل الاستصحاب والبراءة والاحتياط في أنها يرجع إليها المجتهد ولا ينفع المقلّد وإن كانت نفس القاعدة قطعيّة المراد من حيث العموم أو الخصوص وممّا ذكرنا ظهر أن إطلاق الرخصة للمقلّدين في العمل بقاعدة التسامح غير جائز كيف ودلالة الأخبار الضعيفة غير ضروريّة فقد يظهر منها ما يجب طرحها لمنافاته لدليل معتبر عقليّ أو نقلي وقد يعارض الاستحباب احتمال الحرمة الذي لا يتفطن له المقلد وقد يخطأ