ميرزا محمد حسن الآشتياني
64
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )
الأمر في العبادة موقوفا على الإطاعة دون غيرها يقال إنه بعد البناء على عدم أخذها في العبادة وعدم دخلها في المأمور به أصلا لا معنى لاعتبارها في سقوط الأمر إذ لا مقتضي له أصلا على هذا التقدير وهذا الإشكال كما ترى لا تعلّق له بخصوص المقام بل يجري في العبادات المحقّقة أيضا كما أن التفصّي عنه يجري بالنسبة إليها أيضا على ما عرفته من كلام شيخنا قدس سره [ في دفع المناقشة المذكورة بوجوه أربعة ] ويمكن دفع المناقشة المذكورة بوجوه ( أحدها ) أنه كما يمكن أن يكون المراد من الأمر بالشيء والغرض منه والداعي عليه أعمّ منه مع قصور الأمر عن التعلّق به كما هو مطّرد في الواجبات التوصّلية حيث إنه يسقط الأمر المتعلّق بها إذا وجدت من دون قصد واختيار بل كثيرا ما تسقط بفعل الغير ولو لم يكن مكلّفا مع استحالة تعلّق الأمر بالعنوان الأعمّ من الاختيار وغيره ومن فعل النفس وفعل الغير ويوجد أحيانا في العبادات أيضا كما في عبادة الناسي لما حكم بسقوط الأمر مع نسيانه من الأجزاء والشرائط والتارك جهلا لما حكم بسقوطه معه وغير ذلك وكما في الطهارة الحدثيّة فيما لم يتمكّن من إيجادها مباشرة في وجه وفي العبادة التبرعيّة من الميّت في القضاء عنه مع فرض وجوبها على الوليّ على تأمّل ظاهر في كونها من قبيل المقام وإن توهّمه بعض على خلاف التحقيق من حيث إن الأمر المتعلّق بالولي من حيث كونه مأمورا بإبراء ذمة الميت توصّلي كذلك يمكن أن يكون أخصّ من المأمور به بحيث يكون المأخوذ في حصوله ما لا يمكن أخذه في المأمور به لقصور تعلّق الأمر به مع أخذه كما في قصد القربة في العبادات وهذا المعنى وإن كان على خلاف ظاهر القضيّة اللفظية حيث إن ظاهرها انطباق الغرض والمقصود على ما تعلّق به الأمر إلا أنه لا بدّ من الالتزام به بعد قيام الدليل على كون الواجب عبادة وهذا هو المراد ممّا ذكره بعض أفاضل مقاربي عصرنا أو عاصرناه في بيان عنوان أخذ قصد التقرّب في العبادات من كونه مأخوذا في المأمور به الواقعي الظاهري فإنّ المراد مما أمر به واقعا في كلامه في مقابل الظاهري حسب ما يفصح عنه كلماته ليس ما يتراعى من ظاهر اللفظين في بادي النظر بالنظر إلى المعنى المعروف بل المراد به ما تعلّق إرادة الشارع به واقعا ويحكي عنه الأوامر اللفظيّة بحسب الدلالة الالتزاميّة ( ثانيها ) أن ما وجب في الشرع إنما هو من جهة عنوان ينطبق عليه أو واجب عقلي متّحد معه وجودا ومن هنا ذكر المتكلمون من أصحابنا وغيرهم أن الواجبات السمعيّة إنما وجبت لكونها ألطافا في الواجبات العقلية وقد أشير إلى هذه المقالة في الكتاب العزيز يقول جل قائله وعزّ اسمه تبارك وتعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ ولمّا كان الغرض والعنوان المذكور معلوما في الواجبات التوصّلية فحكم بدوران سقوط الأمر مدار حصوله كيف ما اتفق وحصل ولو من غير اختيار المكلّف أو بفعل الغير ولما لم يكن حقيقته معلومة في الواجبات التعبّدية وإن علم إجمالا بوجوده واعتباره في سقوط الأمر المتعلّق بها فيحكم من جهة لزوم تحصيل القطع بوجوده بلزوم الإتيان بالمأمور به بعنوان الإطاعة والامتثال حتّى نقطع بحصوله من حيث احتمال توقّف وجوده على إيجاد الفعل بعنوان المباشرة والاختيار والامتثال وعدم كفاية وجود الفعل بعنوان الإطلاق في ترتّبه عليه وانطباقه معه وهذا أمر ممكن معقول فوجوب إيجاد الفعل بقصد الإطاعة والامتثال في العبادات إنما هو من جهة توقّف القطع بسقوط الغرض الموجب لسقوط الأمر عليه ومن باب الاحتياط اللازم حقيقة لا من جهة دخله في المأمور به بأحد الوجهين في مرحلة الواقع كما عرفت أو الظاهر وهذا نظير الوجه الذي ذكروه لاعتبار قصد الوجه في العبادات على ما عرفت الكلام فيه ولعلّك تعرفه أيضا في بعض المسائل الآتية إن شاء الله تعالى وقد ذكر المحقق القمي قدس سره في القوانين في بيان الفرق بين الواجب العبادي والتوصّلي ما يرجع إلى ما ذكرنا فراجع إليه ( ثم ) إن هذا الذي أفاده قدس سره وإن لم يخلو عن النقض والإبرام بل عن بعض المناقشات طردا وعكسا كما يظهر من الرجوع إلى الفصول بل لا يساعده كلماتهم بظواهرها إلا أنه لا ضير في الالتزام به في دفع المناقشة المذكورة في المقام إذا انحصر الوجه فيه ولم يكن هناك مدفع ( ثالثها ) أنه قد قام في الواجب التعبّدي ما يقضي بمدخليّة حصول عنوان الإطاعة والامتثال في سقوط الأمر المتعلّق بذات الفعل مجرّدا عن اعتبار قصد القربة فيه ويعلم أن هناك جهة توجبه عند الشارع وإن لم نعلمها بعينها ولا يتوقف قصد التقرّب في إتيان الواجب على العلم التفصيلي بما أوجب اعتباره في سقوط الأمر المتعلّق به وهذا مطّرد في جميع الموارد حتى في مسألة نسيان ما لا يوجب بطلان العبادة أو الإخلال بما لا يوجبه جهلا لأن قصد الإطاعة مفروض من الناسي والجاهل مع غفلتهما عن مخالفة المأتي به للمأمور به كما ستقف على شرح القول فيه في محلّه وفي مسألة سقوط المباشرة في الطهارة الحديثة عن العاجز حيث إن الفعل لا يخلو عن قصد الامتثال من المكلّف أو عن المباشر أو هما معا على الخلاف وهكذا في سائر ما توهّم الصحّة مع عدم القصد ولا يكاد يخفى عليك الفرق بين هذه الوجوه ( رابعها ) ما يستفاد من كلام بعض الأفاضل ممّن عاصرناه من أن غاية ما قضى به البرهان هو التمكن من الفعل والقدرة عليه عند إيجاده لا في زمان الأمر به والمكلّف قادر في العبادات على إيجادها بقصد الإطاعة في زمان الفعل المتأخر عن زمان الأمر لفرض سبق الأمر به وإن لم يكن قادرا عليه في زمان الأمر ولا امتناع في تأثير الأمر في القدرة على متعلّقه في زمان وجوده إذ لا برهان يقضي باستحالته لا يقال إن تصوّر الموضوع مقدّم على المحمول وكيف يتصوّر الموضوع المأخوذ فيه عنوان متأخر عن المحمول لأنّا نقول المتصوّر هو الفعل الذي يوجد بقصد القربة في الزمان المتأخر عن الأمر وهذا معنى معقول