ميرزا محمد حسن الآشتياني

56

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

الإطاعة وحرمة المعصية بل هو هو وأما ثانيا فلأن الشكّ في صدق الخبيث على شرب التتن مثلا إن كان من جهة الشك في المفهوم وإن كان له أفراد واضحة كما هو الشأن في غالب المفاهيم العرفيّة بل الأمر كذلك فيما حكموا بوضوحه ولم يتعرّضوا له كالماء مثلا حيث إنه بحدّه وكنهه وحقيقته غير معلوم وإن كان له أفراد واضحة ومن هنا قد يشك في صدقه على بعض المائعات والموجودات من جهة الشك في حقيقته ومفهومه كما هو ظاهر فلا يجوز قياس المقام به ضرورة ثبوت الفرق بين المقامين من جهة تبيّن القضيّة الشرعيّة ووصولها إلى المكلف في الشبهة الموضوعية فيوهم جريان قاعدة الاشتغال فيها وعدم تبيّنها في الشبهة الحكميّة فلا مانع من الرجوع إلى حكم العقل بالبراءة ولو بني على القياس والحال هذه لجاز القياس بالمسألة الثانية من مسائل الشبهة التحريميّة الحكميّة من غير تكلّف أصلا وإن كان من جهة الشك في الأمور الخارجيّة مع تبيّن الخبيث مفهوما بحيث لم يكن فيه شك أصلا من حيث المفهوم والمراد من اللفظ ولم يكن هناك شكّ في حكم شرب التتن مثلا إلا من حيث الشكّ في صدق الخبيث عليه من جهة اشتباه الأمور الخارجيّة وإن كان في كمال البعد فيرجع إلى المقام فلا معنى للتفصيل والقياس إذ لا فرق بعد رجوع الشكّ في حكم الموضوع إلى الشك فيه من جهة اشتباه الأمور الخارجيّة مع تبيّن القضيّة الشرعيّة موضوعا ومحمولا بين كون الموضوع المردّد أمرا جزئيا حقيقيّا وبين كونه كليّا في نفسه ( قوله ) قدس سره ونظير هذا التوهّم إلى آخره ( 1 ) ( أقول ) لا يخفى عليك أن المفروض في الشبهة الوجوبيّة الموضوعيّة وإن كان مشابها للمقام بعينه من جهة حيث يؤول الشكّ فيه إلى الشكّ البدوي في التكليف النفسي المستقل وإن كان هناك قدر متيقّن يقينيّ ومن هنا يحكم فيه بالبراءة كما في المقام إلا أن المقام أولى بجريان البراءة من حيث أن المفروض هناك علم إجمالي بخطاب متوجّه إلى المكلّف فيتوهّم جريان قاعدة الاشتغال ومن هنا ذهب جماعة من المجتهدين فيه إلى الاحتياط بل نسب إلى الأكثر وهذا بخلاف المقام فإن المفروض فيه عدم العلم بتوجّه الخطاب أصلا [ في عدم جريان مناط قاعدة الاشتغال في المقام ] ( قوله ) قدس سره قلت إن أريد بالضرر العقاب إلى آخره ( 2 ) ( أقول ) لما بيّن قدس سره جريان حكم العقل بالبراءة في المقام في قبال توهّم مانعيّة العلم بصدور الخطاب المبيّن الواصل إلى المكلّف عن حكمه بالبراءة أراد دفع توهم جريان مناط قاعدة الشغل في المقام وهو وجوب دفع الضرر المحتمل في حكم العقل بأن قاعدة القبح واردة على قاعدة وجوب الدفع بالنسبة إلى الضرر المحتمل الأخروي وتوهّم العكس مدفوع بلزوم الدور على ما نبّه عليه سابقا هذا بالنسبة إلى الضرر الأخروي وأمّا الضرر الدنيوي فالمستفاد من كلامه قدس سره في المقام منع حكم العقل بوجوب دفع محتمله أوّلا ثم منع كون حكم العقل به دليلا على حكم الشارع وكاشفا عنه ثانيا من حيث تصريح الشارع بحلّيّة ما لم يعلم حرمته شرعا وهذا كما ترى لا يخلو عن إجمال فإن فيه وجوها من حيث احتمال رجوعه إلى منع التلازم ولو في خصوص المقام أو كونه ظاهريّا مشروطا بعدم حكم الشارع بخلافه أو كونه واقعيّا إلّا أن حكم الشارع بخلافه ظاهرا في مورده يكشف عن ارتفاع موضوعه على ما ستقف عليه من الشرح والبيان في قوله لكن الإنصاف فالفرق بالإجمال والتفصيل فتأمل ( قوله ) قدس سره وإن أريد ما لا يدفع العقل ترتّبه إلى آخره ( 3 ) ( أقول ) لا بد من أن يحمل ما احتمله في الجواب على تقدير إرادة الضرر الدنيوي المحتمل على تماميّته بعد ذلك من أنّ حكم العقل بدفع الضرر مطلقا حتى في المقطوع مقيّد بعدم التدارك فلا يحكم بوجوب دفعه شرعا فيما ثبت تداركه من جهة انتفاء الحكم العقلي حقيقة لا من جهة التفكيك بينهما كما ربما يوهمه قوله فوجوب دفعه عقلا لو سلّم إلى آخره ثمّ إنّ السؤال المذكور متعلّق بأصل الحكم في المسألة لا بالاستدلال عليها بحكم العقل من جهة قاعدة قبح العقاب من غير بيان وإلا فالجواب المذكور على تقدير إرادة الضرر الدنيوي لا يفيد في شيء من حيث رجوعه إلى التشبّث بالأخرة بذيل لأدلّة النقليّة ( قوله ) قدس سره فإن قيل نختار أوّلا احتمال الضرر إلى آخره ( 4 ) ( أقول ) لا يخفى عليك أن ما ذكر أوّلا لا تعلق له بالشبهة الموضوعيّة أصلا لأن المفروض صدور البيان التام من الشارع ووصوله إلى المكلّف فأين عدم البيان حتى نتكلّم فيه أنه لمصلحة أو لا لها وقد جرى ذكره في المقام غفلة وسهوا من القلم وإلّا فهو مختصّ بالشبهة الحكميّة كما صرّح به في العدّة وغيرها جوابا لما استدلّ به القائلون بأصالة الإباحة في الأشياء من أنه لو كان هناك مضرّة آجلة لبيّنها الشارع ( قوله ) قدس سره وهذا الدليل ومثله رافع للحلّيّة الثابتة إلى آخره ( 5 ) ( أقول ) وجه وروده على الرواية على ما يوهمه ظاهر العبارة كون الغاية في الحديث العلم بالحرمة ولو في مرحلة الظاهر وبعبارة أخرى العلم بحرمة الشيء مطلقا ولو من جهة كونه مجهول الحليّة والحرمة والمفروض أنّ حليّته المشكوك في مرحلة الظاهر لا ترفع احتمال الضرر لكونه دنيويّا بالفرض لا يختلف فيه الحال بحسب العلم والجهل كالضرر الأخروي فموضوع الآية موجود ولو مع ملاحظة الحديث بخلاف العكس نعم لو كانت الغاية للحليّة في الحديث العلم بالحرمة في مرحلة الواقع وبعبارة أخرى العلم بحرمة الشيء من حيث هو لا بعنوان كونه مجهول الحرمة وقع التعارض بينهما لا محالة ( قوله ) قدس سره قلت سلّمنا احتمال المصلحة إلى آخره ( 6 ) ( أقول ) قد عرفت أن حديث وجود المصلحة في ترك البيان وعدمه أجنبيّ عن المقام مع أنك قد عرفت أنه لا فائدة فيه في وقوف العقل عن الحكم بعدم الضرر الأخروي في الشبهة الحكميّة أيضا نظرا إلى أن مناط حكم العقل بدفع العقاب هو استقلاله في الحكم بقبح العقاب من غير وصول البيان إلى المكلف وعلمه به سواء بيّنه الشارع أو لم يبيّنه لمصلحة مع أن البيان من الشارع