ميرزا محمد حسن الآشتياني

38

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

النهي انتهى ما ذكره ملخّصا وفيه ما لا يخفى على من راجع ما ذكرنا في توضيح دلالة الرواية فإن المعنى الثاني لا محصّل له جدّا إذ حاصله أن ما لم يحرّمه الشارع واقعا فهو مباح واقعا وهو كما ترى [ ذكر كلام صاحب الوسائل في احتمالات الرواية ] هذا مضافا إلى ما في الاستدراك الذي ذكره هذا وفي الوسائل في طيّ الاحتمالات في المرسلة ما يظهر منه كون ما دلّ على الاحتياط والتوقّف رافعا لموضوعها وإن المراد من ورود النهي في الشيء أعمّ من وروده فيه بعنوانه الخاص أو العام أي كونه مشكوك الحكم حيث قال بعد نقل الرواية أقول هذا يحتمل وجوها أحدها الحمل على التقيّة فإنّ العامة يقولون بحجيّة الأصل فيضعف عن مقاومة ما سبق من أخبار الاحتياط مضافا إلى كونه خبر واحد لا يعارض المتواتر ثانيها الحمل على الخطاب الشرعي خاصّة يعني أن كل شيء من الخطابات الشرعيّة يتعين حمله على إطلاقه وعمومه حتى يرد فيه نهي يخصّ بعض الأفراد ويخرجه من الإطلاق مثاله قوله عليه السلام كل ماء طاهر حتى تعلم أنه قذر فإنه محمول على إطلاقه فلما ورد النهي عن استعمال كل واحد من الإناءين إذا نجس أحدهما واشتبها تعيّن تقييده بغير هذه الصّورة ولذلك استدلّ به الصّدوق على جواز القنوت بالفارسيّة لأنّ الأوامر بالقنوت مطلقة عامّة ولم يرد نهي عن القنوت بالفارسيّة يخرجها من إطلاقها وثالثها التخصيص بما ليس من نفس الأحكام الشرعيّة وإن كان من موضوعاتها ومتعلّقاتها كما إذا شك في جوائز الظالم أنها مغصوبة أم لا ورابعها أن النهي يشمل النهي العام والخاص والنهي العام بلغنا وهو النهي عن ارتكاب الشبهات في نفس الأحكام والأمر بالتوقّف والاحتياط فيها وفي كل ما لا نصّ فيه وخامسها أن يكون مخصوصا بما قبل كمال الشريعة وتمامها وأمّا بعد ذلك فلم يبق شيء على حكم البراءة الأصلية وسادسها أن يكون مخصوصا بمن لم يبلغه أحاديث النهي عن ارتكاب الشبهات والأمر بالاحتياط لما مرّ ولاستحالة تكليف الغافل عقلا ونقلا وسابعها أن يكون مخصوصا بما لا يحتمل التحريم بل علمت إباحته وحصل الشك في وجوبه فهو مطلق حتى يرد فيه نهي عن تركه لأن المستفاد من الأحاديث هنا عدم وجوب الاحتياط بمجرد احتمال الوجوب وإن كان راجحا حيث لا يحتمل التحريم وثامنها أن يكون مخصوصا بالأشياء المبهمة التي يعمّ بها البلوى ويعلم أنه لو كان فيها حكم مخالف للأصل لنقل كما يفهم من قول عليّ عليه السلام واعلم يا بنيّ أنّه لو كان إله آخر لأتتك رسله ولرأيت آثار مملكته وقد صرّح بنحو ذلك المحقّق في المعتبر وغيره انتهى كلامه رفع مقامه وأنت خبير بما في تمام الاحتمالات التي ذكرها سيّما ما ذكره رابع الوجوه وسادسها الذي يرجع إليه حقيقة وعند التأمّل ( ثم ) إن الفاضل النراقي في المناهج وإن جعل ما دل على حليّة المشتبه كرواية مسعدة وأضرابها أخصّ من أخبار التوقف إلا أنك عرفت ظهوره في خصوص الشبهة الموضوعيّة [ في عدم دلالة الصّحيحة على مدّعاهم وبيان مورد الاستدلال بالصحيحة ] ( قوله ) قدس سره والجواب أمّا عن الصحيحة فبعدم الدلالة لأن المشار إليه إلى آخره ( 1 ) ( أقول ) لا ريب في دوران الأمر في الصحيحة بين الوجهين المنتهيين إلى وجوه لا تعلّق لها بالمقام أصلا توضيح ذلك أن مورد الاستدلال بالصحيحة على وجوب الاحتياط قوله عليه السلام إذا أصبتم بمثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا وتعلموا والمشار إليه يحتمل وجهين أحدهما أن يكون مسؤولية المكلفين عن حكم ما لا يعلمونه من الوقائع حيث إن جزاء الصّيد المشترك بين شخصين كان كذلك على ما فرض في السؤال فالمعنى أن كلما سألتم عن مسألة لا تدرون حكمها كما سألتم عن واقعة الصّيد ولم تدروا حكمها فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا وتعلموا ثم إن قوله فعليكم بالاحتياط على هذا الوجه يحتمل وجهين ( أحدهما ) أنه يجب ترك الإفتاء مطلقا من غير فرق بين الإفتاء بالحكم الواقعي والظاهري حتى بالاحتياط فلا بد أن يفرض الواقعة في غير محلّ الحاجة وإلّا لم يكن معنى له وهي بهذا المعنى تمنع من القولين في المسألة في الجملة فلا بدّ على كلا القولين من حملها على ما يتمكّن من تحصيل العلم بحكمه نوعا ودعوى أن الأخباري يلتزم بمضمونها وإنما يترك الفعل لاحتمال الحرمة فاسدة بما عرفته وستعرف من فساد هذا التوهم وأنه لا مناص للأخباري من الحكم بوجوب الاحتياط في مرحلة الظاهر وأن النزاع القابل إنما هو في حكم المشتبه لا في دواعي الترك والفعل أو الإفتاء بخصوص الحكم الواقعي للواقعة فلا تعرّض لها للمنع عن الإفتاء بالحكم الظاهري بمقتضى الأصول فلا يجدي في المقام أصلا ( ثانيهما ) أنه يجب الإفتاء بالاحتياط وهذا مع كمال بعده عن مساق الرواية كما هو ظاهر لا بد من تنزيلها على ما يمكن فيه الاحتياط وهذا كما ترى مبنى الاستدلال بالرواية ويتوجّه عليه مضافا إلى لزوم ارتكاب التخصيص فيها بإخراج ما وافقنا الأخباري على عدم وجوب الاحتياط فيه كالشبهة الوجوبيّة مع كمال بعد التخصيص فيها بأنه لا معين لهذا الاحتمال ومجرّد احتماله لا يوجب رفع اليد عن مقتضى الأدلّة العقليّة والنقليّة القاضية بالبراءة فيما لا نصّ فيه مع أن الالتزام بمقتضى هذا الاحتمال لا يجدي الأخباري في شيء ضرورة أن مقتضاه المنع من البراءة فيما يمكن من تحصيل العلم فيه ولو نوعا ولا نضايق من القول بوجوب الاحتياط فيه ولا تثبت وجوب الاحتياط مطلقا ودعوى الإجماع المركّب وعدم القول بالفصل كما ترى ثانيهما أن يكون المشار إليه نفس واقعة الصّيد على أبعد الوجهين فتدل بظاهرها على وجوب الاحتياط