ميرزا محمد حسن الآشتياني

29

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

[ في منع استقلال العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل الدنيوي ] ( قوله ) قدس سره هذا كله إن أريد بالضرر العقاب وإن أريد به مضرّة أخرى إلى آخره ( 1 ) ( أقول ) قد عرفت في مطاوي كلماتنا السابقة أن الأحكام الشرعيّة على مذهب العدليّة مبنيّة على الجهات الكامنة في أفعال المكلّفين من المصالح والمفاسد بحيث لا تعلّق للعلم بالحكم في وجودها أصلا فاحتمال التحريم لا ينفكّ عن احتمال الضرر والمفسدة في الفعل كما أن الظنّ به ظنّ بها والعلم به علم بها سواء كانت دنيويّة أو دينيّة غير العقاب فوجود هذا الضرر كنفس الحكم الشرعي المعلول له مقدّم على العلم والبيان لا تعلّق له فيه أصلا فإن سلم حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل الدنيوي ولو كان موهوما لم يصلح قاعدة القبح للورود عليه بل هو وارد عليها ورافع لموضوعها كما هو ظاهر والمستفاد من كلامه في المنع عن مزاحمة الحكم المذكور للقاعدة وجهان أحدهما المنع من استقلال العقل في الحكم بلزوم دفع الضرر الدنيوي المحتمل كيف ولو بني عليه لكان مشترك الورود في المقام بالبيان الذي ستقف عليه مضافا إلى ورود النقض على الأخباري بالشبهة الوجوبية والموضوعيّة وإنما المسلّم حكم العقل والشرع بقبح الإقدام على المضرّ الدنيوي وتحريم ارتكابه فالمحرّم هو مفهوم الإضرار وصدقه في مورد الشكّ في الحكم الشرعي مشكوك كالشكّ في صدق المسكر المعلوم الحرمة على المائع الخاصّ وفي الشبهة الموضوعيّة لا يجب الاحتياط باعتراف الأخباريّين فليس هنا ما يقتضي وجوب دفع الضرر المحتمل حتى يكون بيانا بالنسبة إلى الواقع ورافعا لموضوع قاعدة القبح فالضرر وإن كان محتملا عند احتمال التحريم إلا أنه لا يجب دفعه ثانيهما أن حكم العقل بلزوم دفع الضرر سواء كان أخرويّا أو دنيويا وسواء كان معلوما أو مظنونا أو مشكوكا أو موهوما على تقدير تسليم حكمه بالنسبة إلى جميع مراتب الضرر مقيد بعدم تداركه من جانب الشارع كيف وقد يؤذن في الإقدام على الضرر المعلوم بل يؤمر به فالواجب هو دفع الضرر الغير المتدارك ولما كان الإذن مع التدارك بالنسبة إلى الضرر الأخروي ممّا لا معنى له فكلما ثبت إذن من الشارع في فعل فلا محالة يكشف عن عدم الضرر الأخروي بالنسبة إليه وأمّا الضرر الدّنيوي فلما كان مجامعا للتدارك فكلّما ورد إذن من الشارع في مورده فيكشف عن التدارك بالنسبة إليه فيرتفع موضوع حكم العقل بوجوب الدفع ولو باعتبار قيده فإذا حكم الشارع بإباحة ما لم يعلم حرمته فيكشف منه تدارك المفسدة فيه على تقدير حرمته في نفس الأمر هذا بعض الكلام فيما يتعلّق بالمقام وقد أسمعناك شرحه في الجزء الأوّل من التعليقة ولكنّ الجواب عن عدم ورود حكم العقل في باب الضرر الدنيوي على قاعدة القبح هو الوجه الأول حقيقة وأمّا الوجه الثاني فيتوقّف على التمسّك بذيل الدليل النقلي على البراءة ومعه لا حاجة إلى التمسّك بقاعدة القبح وبدونه يكون حكم العقل واردا عليها كما لا يخفى [ في توجيه كلام السّيد أبي البركات في الغنية وغيره ] ( قوله ) والظاهر أن المراد به ما لا يطاق الامتثال به ( 2 ) ( أقول ) لا يخفى عليك أنّ توجيه كلامهم بما أفاده وتنزيله عليه مع الغضّ عمّا يتوجه عليه كما ستقف عليه موجب لتخصيص محل كلامهم بما يعتبر في صحّته وسقوط الأمر المتعلّق به الامتثال والإطاعة ضرورة عدم جريان التوجيه المذكور في التوصّليات الّتي لا يطلب فيها إلا نفس الفعل فيخرج غالب صور محل البحث عنه بل كثير من صور الشّكّ في الحكم الشرعيّ عنه حتّى الشبهة الوجوبيّة فإن محلّ الكلام في مسائل هذه المباحث لا يختصّ بالتعبّديات كيف ولم يجدوا مثالا للحرام التعبّدي في الشرعيّات مع أنّه لا معنى لتخصيص البحث بالتعبّدي كما هو ظاهر فقد ظهر ممّا ذكرنا ما يتوجّه على الشق الأول من وجهي المناقشة في التوجيه المذكور فإنه لو كان التكليف المحتمل من التعبّديات على تقدير ثبوته لم يحتمل كون الغرض منه مجرّد صدور الفعل ولو بدون قصد الإطاعة رأسا وإن كان توصّليا على تقدير ثبوته لم يكن الغرض منه إلّا ذلك فالاحتمال المذكور ساقط على كل تقدير وفرض الكلام فيما تردّد أمره بين التوصّلي والتعبّدي على تقدير ثبوته فيحمل كون الغرض منه مجرد صدور الفعل نظرا إلى احتمال كونه توصّليّا كما ترى إذ هو موجب لتخصيص محل البحث بفرد نادر على تقدير وقوعه فتدبّر وأما الشق الثاني والوجه الآخر منهما وهو كون الغرض من التكليف العمل بمقتضاه وتحصيل متعلّقه في الخارج بداعي احتمال كونه مطلوبا مع الشّك فيه فلا يتوجّه عليه شيء عند التأمّل فإن غاية ما يرد عليه ما أفاده شيخنا الأستاذ العلامة بقوله في دفع الاحتمال المذكور وإفساده بأنه إن قام دليل على وجوب إتيان الشاك في التكليف بالفعل لاحتمال المطلوب عليه أغنى ذلك عن التكليف بنفس الفعل وإلا لم ينفع التكليف المشكوك في تحصيل الغرض المذكور إلى آخر ما أفاده وهو كما ترى فإنه يتوجّه عليه على تقدير قيام الدليل على وجوب الإتيان أو الترك لاحتمال الوجوب أو التحريم الواقعيّين بحيث يجعل الداعي احتمال التكليف مثل ما دلّ على وجوب الاحتياط على تقدير القول بدلالته عليه أنه كيف يغني ذلك عن التكليف الواقعي مع أنه يترتب عليه آثار وثمرات غير ما يترتّب على مجرّد الحكم الظاهري بل التحقيق استحالة إغنائه عنه وعدم إمكانه مع كونه متفرّعا عليه كما هو الشأن في جميع الأحكام الظاهريّة بالنسبة إلى الأحكام الواقعيّة الثابتة في مواردها فإنه لا معنى لالتزام تأثير الحكم الظاهري في رفع الحكم الواقعي الثابت في مورده من