ميرزا محمد حسن الآشتياني
26
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )
آخرين من الأخبار ( أحدهما ) ما دل على حصر الحرام بما حرّمه اللّه في كتابه وهي جملة من الأخبار منها صحيحة محمد بن مسلم وزرارة عن أبي جعفر عليه السلام فيما سألاه عن لحوم الحمير الأهلية قال نهى رسول الله صلى اللَّه عليه وآله عن أكلها يوم خيبر إلى أن قال وإنما الحرام ما حرّم الله في القرآن ومنها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام وفيها وليس الحرام إلّا ما حرّم اللّه في كتابه ومنها صحيحته الأخرى وفيها وإنما الحرام ما حرّم اللّه ورسوله في كتابه ومنها ما عن زرارة عن أحدهما قال إن أكل الغراب ليس بحرام إنما الحرام ما حرّم اللّه في كتابه قال قدس سره في تقريب الاستدلال بها بعد نقلها دلّت هذه الأخبار على انحصار الحرام بما حرّمه اللّه في القرآن وأن ما سواه مباح يخرج ما خرج بالدليل فيبقى الباقي وهي بعمومها شاملة للأعيان والأفعال وتخصيص مواردها بالمأكولات غير ضارّ لأن العبرة بعموم الجواب مع أنه لا قائل بالفصل انتهى كلامه رفع مقامه وأنت خبير بأنه لا تعلّق لهذه الأخبار وأمثالها من العمومات الاجتهادية المقتضية لحليّة الأشياء من الآيات مثل قوله تعالى أحلّ لكم الطيّبات ونحوه والأخبار بالمقام فإنّ البحث عن حكم ما لم يقم دليل على حليّته وحرمته بحسب الأصل الأوّلي لا عن قيام الدليل على حليّة كلّ شيء بعنوان العموم وإن كان قيامه مع تماميّته من جميع الجهات مغنيا عن التكلم في الأصل الأوّلي فإنه على تقدير تسليم كون الأصل هو الخطر ووجوب الاحتياط فيما شك في حرمته وعليّته كان المتعيّن الرجوع إلى تلك العمومات الاجتهادية أيضا فلا ينفع الأخباري أخبار الاحتياط كما أنه لا جدوى للمجتهد لطول البحث فيما دلّ على البراءة في الشبهة الحكميّة ( ثانيهما ) ما دلّ من الروايات على أن كلّ شيء حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه وهي كثيرة يأتي ذكر بعضها في الكتاب في الشبهة الموضوعية منها ما ورد في شراء الإبل والغنم من السلطان وهو يعلم بأنه يأخذ أكثر من الحق الذي يجب عليهم من أن الإبل والغنم مثل الحنطة والشعير وغير ذلك لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه وقوله عليه السلام وغير ذلك عام يشمل الأعيان والأفعال ومنها رواية مسعدة بن صدقة المعروفة التي ستقف عليها ومنها رواية عبد اللّه بن سليمان عن أبي عبد اللّه عليه السلام في الجبن كل شيء هو لك حلال حتى يجيئك شاهدان عندك بأنّ فيه الميتة قال قدس سره بعد نقلها ما هذا لفظه والسؤال في الأولى والمثال في الثانية والمورد في الثالثة وإن كانت مختصّة بما اشتبه فيه الموضوع لكن خصوصيّتها لا يخصّص الجواب وقوله في الثانية أو يقوم به البيّنة لا يوجب التخصيص لسبق قوله أو يستبين لك غيره على أنّ البيّنة يطلق على من سمع الحرمة من أهله كذلك قوله في الأخيرة حتى يجيئك شاهدان فإنه يدلّ بمفهوم الغاية على أن كل شيء لم يجئ فيه شاهدان بذلك فهو حلال ( نعم ) يمكن المناقشة في الأخيرة بأن قوله بأن فيه الميتة قرينة على التخصيص بما شأنه ذلك انتهى كلامه رفع مقامه وأنت خبير بأنه لا عموم ولا ظهور للأخبار المذكورة وأمثالها لمحلّ البحث إذ اختصاصها بالشبهة الموضوعيّة مما لا يقبل الإنكار فإن قوله وغير ذلك لا عموم فيه للمقام أصلا وصدر رواية مسعدة وإن كان عامّا إلا أن ذيلها يكشف عن اختصاصها بما يكون من شأنه قيام البيّنة أو تعلّق الحكم على الاستبانة من دون فحص وأين هذا من الشبهة الحكميّة ومنه يظهر اختصاص رواية عبد اللّه بما من شأنه قيام الشاهدين فلا عموم لهذه الأخبار أصلا ومن هنا لم يتمسّك بها أصحابنا لحكم المقام بل تمسكوا بها في الشبهة الموضوعيّة كما ستقف عليه [ في التمسّك بالإجماع على البراءة فيما لا نصّ فيه ] ( قوله ) قدس سره الأول دعوى إجماع العلماء كلهم إلى آخره ( 1 ) ( أقول ) لا يخفى عليك أن الإجماع المذكور يسمّى عند بعضهم بالإجماع التقديري تارة والتعليقي أخرى وعند آخر بالاجتماع على الأصل والقاعدة وذكر ثالث أنه لا اعتبار بمثله بعد وقوع الاختلاف في قيام الدليل على وجوب الاحتياط وعدمه كما هو الشأن في سائر الإجماعات التعليقية التي وقع الاختلاف في وجود المعلّق عليه في مواردها لأنه لا يكشف عن شيء نعم الإجماع في قبال الأخباريين على أن الحكم الظّاهري فيما لم يرد نصّ على تحريمه بعنوانه الخاص الإباحة مفيد جدّا من غير فرق بين أن يكون قوليّا حاصلا بملاحظة الفتاوى من أهلها أو عمليّا حاصلا بملاحظة سيرة خصوص المسلمين أو أهل الشرائع سواء كان طريق تحصيله على الأول بتتبّع الفتاوى وكلماتهم في الأصول والفقه في موارد الاستدلال أو ملاحظة الإجماعات المنقولة في العلمين ولو بضميمة الشهرة العظيمة المحقّقة في المسألة فالمراد بالإجماع المحصّل بأحد الوجوه المذكورة في الكتاب لا بدّ أن يكون أعمّ من القولي والعملي لا خصوص القولي فإنه لا معنى لجعل الوجه الثالث طريقا إليه كما هو ظاهر ( ثمّ ) إنّ معلوميّة مذهب من تمسّك بالاحتياط أحيانا في بعض جزئيّات المسألة في الفقه بملاحظة غيره في الفروع والأصول كالسيّد والشيخ والعلامة يكشف عن أن الغرض هو مجرّد التأييد والاعتضاد لا الاعتماد والاستدلال كما يذكرونه أحيانا في طيّ الاستدلال في الشبهة الوجوبيّة أيضا مع ذهاب أكثر الأخباريّين فيها إلى البراءة ومن هنا تراهم كثيرا ما يذكرون القياس في مطاوي استدلالهم بل ربما لا يذكرون غيره مع أن المعلوم من المذهب عدم جواز الاعتماد به فليس ذلك إلّا من جهة ما ذكرنا من كون الغرض التأييد وإن وقع بعض أصحابنا الأخباريين في التوهّم وتخيل كون الغرض الاستدلال وفتح باب الطعن على حملة الشريعة ورؤساء الملة ( ثمّ ) إن القائلين بالتحسين والتقبيح العقليّين بعد اتفاقهم على أن للفعل أحكاما أربعة اختلفوا في أن للعقل الحكم بالإباحة أم لا وجعلوا مورد هذا الاختلاف