ميرزا محمد حسن الآشتياني

229

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

تركه إلّا فيما استثني من البراءة عن الأئمة عليهم السلام وقتل النفس المحترمة والتداوي بالمحرّمات على قول كذلك جوازه إذا كان ضرريّا وليس أمره كأمر نفي الجرح حتّى يقال بعدم رفعه لغير الإلزامات من حيث عدم استناد الوقوع في الحرج إلى حكم الشارع في غير الإلزامات فيفرق بين الوضوء الضرري والحرجي إلّا فيما كان إقدام المكلّف رافعا لموضوع استناد الضرر إلى الشارع فلو أقدم المكلّف لغرض عقلائي على المعاملة الغبنيّة مع علمه بالغبن لم يحكم بثبوت الخيار له من جهة أن الإقدام على الضرر أوجب عدم صدق الحكم الضرري على إيجاب الشارع للوفاء بالعقد وكذلك إقدامه على شراء مال الغير مع علمه بفساد المعاملة وأن المعوّض ليس ملك البائع أوجب عدم صدق الحكم الضرري على وجوب الغرامات والخسارات عليه وهكذا الأمر في نظائره مما لا يجري فيه قاعدة الغرور ويترتّب على ذلك ما أفاده شيخنا الأستاذ العلامة قدس سره في الرسالة من الحكم بصحّة العبادات التي يعتقد المكلّف عدم التضرّر بها مع كونها مضرّة في نفس الأمر فإن الأمر بالعبادة في الفرض وتجويزها للمكلّف لم يوقعه في الضرر أصلا وإنّما الموقع له علمه بعدم تضرّره فلو حكمنا بفسادها والحال هذه لزم وقوعه في كلفة الإعادة والقضاء ( نعم ) لو علم بالضرر أو ظنّ به كان وقوعه في الضرر مستندا إلى أمر الشارع بالعبادة خلافا لمن حكم بالفساد في الفرض بزعم أن الضرر مانع واقعيّ عن صحّة العبادة من غير فرق بين العلم بوجوده أو العلم بعدمه ولا فرق في الحكم بالصحّة في الفرض بين الاستناد في فساد العبادة مع التضرّر بها إلى الأصل المذكور أو النهي عن الإضرار بالنفس فإنّ المانع عن امتثال الأمر عندهم النهي الفعلي المنجّز في مسألة عدم جواز اجتماع الأمر والنهي ومسألة النهي عن العبادة لا النهي الشأني المعلّق قال قدس سره في الرسالة بعد جملة كلام له يتعلّق بالمقام ما هذا لفظه فتحصّل أنّ القاعدة لا تنفي إلا الوجوب الفعلي على المتضرّر العالم بتضرّره لأن الموقع للمكلّف في الضرر هو هذا الحكم الفعلي دون الوجوب الواقعي الذي لا يتفاوت وجوده وعدمه في إقدام المكلّف على الضرر بل نفيه مستلزم لإلقاء المكلّف في مشقّة الإعادة فالتمسّك بهذه القاعدة على فساد العبادة المتضرّر بها في دوران الفساد مدار اعتقاد الضرر الموجب للتكليف الفعلي بالتضرّر بالعمل كالتمسّك على فسادها على التحريم بالإضرار بالنفس في دورانه مدار الاعتقاد بالضرر الموجب للتحريم الفعلي لأنه الذي يمتنع اجتماعه مع الأمر فلا يجري مع الضرر الواقعي وإن سلم معه التحريم الشأني كما تسالموا عليه في باب اجتماع الأمر والنهي من عدم الفساد مع الجهل بالموضوع أو نسيانه وأن المفسد هو التحريم الفعلي المنجّز انتهى كلامه رفع مقامه وهذا الكلام وإن أمكن توجيهه بالنظر إلى مفاد الأصل المذكور حيث إن الاعتقاد بعدم الضرر يوجب رفع الاستناد إلى الشارع إلا أنّ تسليمه بالنظر إلى ما دلّ على تحريم الإضرار بالنفس مثل قوله تعالى وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ونحوه لا يخلو عن إشكال فإنهم وإن تسالموا في باب اجتماع الأمر والنهي على ما ذكره قدس سره إلّا أنّك قد عرفت في مطاوي كلماتنا السابقة أن الضدّ للأمر هو النهي من غير فرق بين العلم بوجوده والشكّ فيه والعلم بعدمه مع وجوده في نفس الأمر لأن الحكم الفعلي ليس وراء الحكم الواقعي ضرورة أنه ليس الموجود من الشارع في حقّ المكلّف حكمان شأني وفعليّ وإنما يعذر العقل المكلّف في مخالفته مع عدم العلم به في الجملة ( نعم ) لو لم يكن هناك تضادّ بين الحكمين وإنما كان بين وجوب امتثالهما كان لما أفاده وجه لكنّه خلاف ما يقتضيه التحقيق ونطقت به كلمتهم من ثبوت التضادّ بين نفس الأحكام الخمسة ولو لم يجب امتثال الحكم كالإباحة مثلا والقول بأن الحكم الشأني ليس من مقولة الحكم والإنشاء وإنما هو عبارة عن مجرّد شأنيّة الإنشاء قد عرفت فساده ممّا قدّمنا لك سابقا كغيره من التوهّمات الموجبة لرفع الإشكال المذكورة فإنا قد ذكرنا لك ثمّة ونذكر هنا أنّا لم نقف على ما يدفع به الإشكال المذكور عمّا تسالم عليه القوم بل كان ذلك عهدي واعتقادي من زمان قراءتي على شيخي المسألة المذكورة إلى زماني هذا مع تكرّر البحث منّي عن المسألة لجمع من فضلاء الأصحاب واللّه الهادي إلى طريق الصواب [ التنبيه الخامس والسّادس ] ( الخامس ) أن المنفي بالأصل المذكور هو الحكم الضرري وأما الخصوصيّات الوجوديّة التي يدفع بكلّ واحد منها الضرر فلا يثبت به أصلا فإذا كان لزوم العقد مع العيب من دون أرش ضرريّا فيحكم بنفيه من جهة الأصل وأما ثبوت التخيير بين الفسخ والأرش أو اختيار أحدهما معيّنا من حيث اندفاع الضرر به فلا يثبت به أصلا كما لا يخفى فلا بدّ لإثبات الخصوصيّات من التماس دليل آخر كما هو ظاهر ( السّادس ) أنك قد عرفت أن ما ينفي الضرر من الأخبار المتقدّمة حاكم على العمومات المثبتة للأحكام الضررية بعمومها فهو أخبار عن حال الأحكام المجعولة في الإسلام وأنه ليس فيها مجعول ضرريّ نظير حديث الرفع فالأحكام الوجوديّة المجعولة من الشارع يستكشف حالها منه وأنه لم يجعل منها ما كان ضرريّا من الوضعيّات والتكليفيّات وأمّا الأحكام العدميّة الغير المجعولة من الشارع إذا كانت ضرريّة كعدم ضمان ما يفوت على الحرّ من عمله بسبب حبسه فيما لم يكن عمله ملكا للغير فإنه لا إشكال في الضمان في الصورة المفروضة من جهة قاعدة الإتلاف فلا يحكم بنفيها حيث إنها ليست مجعولة بالفرض فكيف يحكم بنفيها اللهمّ إلّا أن يرجع إلى حكم وجوديّ كحرمة مطالبة الحابس بالعوض ونحو ذلك لكنّه مشكل من جهة أن نفي الحرمة إنما هو فيما كان هناك دليل عليها وبالجملة تأسيس الحكم بالضمان من جهة الأصل المذكور مع كونه أخبارا عن حال أدلّة الأحكام المجعولة فيما لم يكن هناك مقتض للضمان أصلا من اليد وقاعدة الإتلاف لا يجامع ما