ميرزا محمد حسن الآشتياني

209

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

الاحتمال المزبور فحاله حال الشاكّ في المأمور به على القول بوجوب الاحتياط في ماهيّات العبادات ( لا يقال ) على ما ذكرت من المناط لا يمكن تحقق قصد التقرّب ممّن يجب عليه الاحتياط عند دوران الأمر في المكلّف به بين المتباينين ضرورة عدم علمه عند إتيانه بكلّ منهما كونه مأمورا به وإلا لم يكن متردّدا لأنا ( نقول ) تحقق قصد التقرّب من المحتاط في الفرض المزبور إنما هو من جهة قصده الإتيان بهما معا الذي هو مشتمل على الإتيان بالمأمور به قطعا ومن هنا نقول بعدم إمكان تحقق قصد التقرّب منه لو كان بانيا من أول الأمر على الاقتصار بأحدهما هذا ولكن المختار عند شيخنا في الرسالة المعمولة في التقليد صحّة عبادة المتردّد فراجع إليها هذا بعض الكلام في الموضع الأوّل وأمّا الكلام في الموضع الثاني فحاصله أنه لا إشكال في تحقق قصد التقرّب منه ولو كان مقصّرا في ترك الفحص عن الواقع فأمره لا يخلو إمّا أن يعلم أو يظنّ بالطريق المعتبر بعد التبيّن والرجوع كون ما أتى به مخالفا للواقع أو كون ما أتى به موافقا للواقع أو يجهل الأمران من جهة عروض الغفلة عن صورة العمل السابق فهذه صور ثلاث لا رابع لها ( أمّا ) الصورة الأولى فمقتضى القواعد أن يحكم فيها بالفساد مطلقا نعم من زعم كون اعتقاد الأمر مؤثّرا في الإجزاء وعبّر عنه بالأمر العقلي كالمحقق القمي قدس سره في القوانين يلزمه الحكم بالصحّة في هذه الصورة لكن رأينا منه في الفقه في مواضع من أجوبة مسائله عدم التزامه بهذا وحكمه بالفساد ووجوب الإعادة عند تبين الخلاف في بعض جزئيّات هذه الصّورة ( وأمّا ) الصّورة الثانية فلا إشكال في الحكم بالصحّة فيها لكون العمل مطابقا للواقع بالفرض وقد قصد التقرب أيضا فيلزمه سقوط الأمر بحكم العقل واعتبار استناد العمل إلى الطريق المعتبر عند وجوده في صحّته ممّا لم يقم عليه دليل بل الدليل على خلافه بعد حمل أوامر الطرق على الإرشاد إلى تحصيل الواقع وهذا أمر لا سترة فيه أصلا ( ثمّ ) إنّ تبيّن المطابقة قد يكون بالعلم وقد يكون بالطريق الشرعي من الاجتهاد والتقليد وتوهّم عدم تأثير الطريق الشرعي بالنسبة إلى الوقائع الماضية قد عرفت وضوح فساده وأن مفاده الكشف عن الواقع من غير فرق فيه بين الوقائع أصلا كعدم الفرق في مفاد دليل اعتباره فراجع ( وأمّا ) الصّورة الثالثة فلا إشكال أيضا في كون الحكم فيها البناء على الصحة من جهة قاعدة الشكّ بعد التجاوز والفراغ وخروج الوقت كما فصّل القول فيه في محلّه [ في بيان حال الوجوه الأربعة المذكورة في الكتاب وإلحاق الوجه الخامس بها ] ( قوله ) قدس سره وجوه من أن التكليف الأوّلي إنما هو بالواقع إلى آخره ( 1 ) ( أقول ) لا يخفى عليك أن هنا وجها خامسا قد سبق إلى بعض الأوهام وهو التفصيل في إناطة المؤاخذة بمخالفة الطريق بين كونه مما اعتبره الشارع من حيث ملاحظة المصلحة في الجملة وكونه معتبرا من حيث الكشف والطريقيّة المحضة كالظنّ المطلق على القول به من جهة دليل الانسداد ونحوه مما تقدّم تفصيل الكلام فيه فيناط بمخالفته في الأول دون الثاني وستقف على وجهه في طيّ بيان الوجه للوجوه الأربعة ( ثمّ ) إن ما أفاده قدس سره في بيان الوجه الأول المختار عندنا وعند المحققين ظاهر وإن كانت العبارة لا يخلو عن قصور في بيانه وتوضيحه أنا قد أسمعناك مرارا كثيرة أن تنجّز الخطابات الإلزاميّة الواقعيّة في حقّ القادر على موافقتها ولو بالاحتياط إنما هو بمجرّد الالتفات والاحتمال وليس المعذور في مخالفتها إلا الصنفين أحدهما المتفحّص عنها بقدر وسعه بحيث يحصل شرط الرجوع إلى البراءة ثانيهما من استند في مخالفتها إلى العمل بالطريق المعتبر من جميع الجهات فمجرّد وجود الطريق المخالف للحكم الواقعي في الواقع لا يجدي في المعذوريّة وإن كان حكما ظاهريّا ثابتا في حقّه مع جهله به بل الطريق المعثور عليه المخالف له لا يجدي في المعذوريّة أيضا وإن كان حكما له بل الطريق المخالف له المعثور عليه إذا كان العمل مطابقا له من دون استناد إليه لا يجدي أيضا لأن الموجب للمعذوريّة في حكم العقل هو العمل بالطريق بمعنى الاستناد إليه على ما عرفته مرارا فيما حكم بحجيّته من الظنون وما حكم بحرمته فإنك قد عرفت ثمّة أن مجرّد الموافقة الاتفاقيّة لا يعدّ عملا بالظّنّ أصلا هذا ( وأمّا ) وجه الثاني فهو مبنيّ على منع تنجّز التكليف بالواقع الذي ليس هناك طريق في علم الله لمعرفته وإنما المنجّز في حقّه مفاد الطريق الذي يعثر عليه بعد الفحص في علم اللّه حيث إن مفاده حكم شرعي إلهيّ وإن كان ظاهريّا لعدم الفرق في وجوب إطاعة الله بين أحكامه الإلزامية ومنه يظهر الوجه لخامس الوجوه حيث إن ما كان من الطريق مبناه على الطريقيّة المحضة يكون الأمر بالعمل به ممحّضا في الإرشاد فلا أثر لمخالفته إلا من حيث مخالفة الواقع المتحققة بسببها بخلاف ما كان مبناه على ملاحظة المصلحة فإن له مطلوبيّة حسب اقتضاء المصلحة فيكون سلوكه مطلوبا في نفسه فلا محالة يكون لمخالفته تأثير مع قطع النظر عن مخالفة الواقع ( وأمّا ) وجه الثالث فهو كون كل من التكليف الفرعي المتعلّق بنفس الواقع والتكليف الأصولي المتعلّق بالطريق الذي يعبّر عنه بالحكم الظاهري حكما إلزاميّا إلهيّا منجّزا على المكلّف بمجرّد الالتفات والقدرة على الفعل ولو بالاحتياط أو الاطلاع عليه بالفحص عنه والعمل بمقتضاه فإذا خالف أحدهما فيلزمه استحقاق العقاب عليه كما أنه لو فرض مخالفتهما استحقّ عقابين ولو فرض عدم مخالفة شيء منهما لم يستحق عقابا أصلا وهذا معنى كفاية مخالفة أحدهما في استحقاق المؤاخذة ولا ينافي الحكم باستحقاق العقوبة على مخالفة الحكم الأصولي كونه ظاهريّا ومجعولا في موضوع الجهل بالواقع فإنه وإن كان ظاهريّا بهذه الملاحظة إلّا أنّه واقعي ومتحقّق في موضوعه في نفس الأمر أيضا كالواقع الأوّلي ( وأمّا ) وجه الرابع فهو المنع من تنجّز الواقع الذي لم يقم عليه طريق فإذا كان هنا حرمة للفعل بحسب نفس الأمر ولم يكن هناك طريق على حرمته أو كان هناك طريق على نفيها لم يكن ثمة عقاب والمنع من كون الخطاب المتعلق بالطريق مؤثرا في نفسه في استحقاق العقاب على مخالفته فإذا كان مفاده الإلزام ولم يكن هناك إلزام في الواقع لم يكن هناك مقتض لاستحقاق العقوبة أصلا نعم لو كان الفعل في الواقع حراما مثلا وكان مفاد الطريق الذي يطّلع عليه بعد الفحص الحرمة أيضا حكم بتنجّز الحرمة الواقعية