ميرزا محمد حسن الآشتياني

203

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

الحكمة في إيجابه لنفسه صيرورة المكلف قابلا لتوجّه التكليف بالمعلومات إليه وعدم فوت مصالحها عنه فإن هذا المعنى لا ينافي الوجوب النفسي كما هو الشأن في كثير من الواجبات النفسيّة كالأمر بالمعروف ووجوب التبليغ والإرشاد وغير ذلك بل تمام الواجبات السمعيّة على ما تسالموا عليه من كون وجوبها من حيث كونها ألطافا في الواجبات العقليّة فملاحظة الغير لا ينافي النفسيّة ( ثمّ ) على القول بوجوبه النفسي لا إشكال في ترتب استحقاق العقاب على تركه من حيث هو وإن كان هناك استحقاق آخر على ترك المعلومات فيما لو فرض عدم معذوريّة المكلف في تركها وأما على القول بوجوبه الغيري بالمعنى الذي عرفته فيمكن أن يلتزم باستحقاق العقاب على تركه على القول باستحقاق العقاب على ترك المقدّمة زائدا على الاستحقاق المترتب على مخالفة الأمر المتعلق بذي المقدّمة المترتّبة على تركها ويمكن القول بعدم استحقاق عقاب على تركه على هذا القول نظرا إلى كون وجوبه إرشاديّا محضا ( ثمّ ) إن لهم كلاما في بحث وجوب المقدّمة على القول بعدم تحقق العقاب فيما أفضى تركها إلى ترك ذيها بحيث لا يقدر على فعله بإتيانها وهو أن العصيان للمولى متقوم حقيقة بترك المقدّمة وإن كان العقاب على مخالفة الأمر بذيها الحاصلة بتركها ( ثمّ ) على القول بأن المعاقب عليه هو ترك ذي المقدّمة اختلفوا في زمان الاستحقاق وأنه هل زمان ترك المقدّمة أو ينتظر زمان ترك ذي المقدّمة فيما كان متأخّرا عن زمان ترك المقدّمة والذي عليه المحققون كون العقاب على ترك ذي المقدّمة عند ترك المقدّمة وإن تأخّر زمان ترك الواجب كما إذا ترك السفر مع الرفقة الأخيرة إلى الحج من البلد النّائي مع العلم بعدم التمكّن من إدراك الحج في زمانه لحكم العقلاء بالاستحقاق وحصول المعصية عند ترك المقدّمة وإن تأخر زمان فعل ذي المقدّمة من زمان المقدّمة فكلما ينقطع الخطاب عن الواجب بسوء اختيار المكلّف يحكم فيه بالاستحقاق من غير ترقّب لزمان الفعل وحمل كلام صاحب المدارك على هذا المعنى أي على القول باستحقاق العقاب على ترك الواجبات التي غفل عنها حين ترك التعلّم مع كمال بعد إرادته عن كلامه مبني على ما ذكرنا سابقا من التزامه بتنجّز الخطاب بالواجبات عند الالتفات وانقطاع الخطاب عنها بسوء اختيار المكلّف بترك التعلّم وأبعد منه ما حكى شيخنا الأستاذ العلامة قدس سره عن بعض المحققين من حمل كلامه على إرادة استحقاق العقاب دائما على ترك المقدّمة من حيث استناد العصيان إليه وإن كان مبنيّا أيضا على التزامه بما ذكرنا من تنجّز الخطاب بالواجبات بمجرّد الالتفات وإلّا لم يكن معنى للعصيان فتدبّر [ في الإشارة إلى جملة من أحكام مقدّمة الواجب وتحقيقاته الشريفة المنيفة ] ( الرّابع ) أنه قد برهن في بحث وجوب المقدّمة أن الوجوب التبعي الغيري الثابت لها عند المحققين لا يعقل انفكاكه عن الخطاب المتعلق بذيها بعد الحكم بثبوت التلازم بينهما فهو تابع لثبوته على النحو الذي ثبت بمقتضى دليله فإن كان ثبوته على كل تقدير حكم بثبوته كذلك وإن كان ثبوته على بعض التقادير حكم بثبوته على ذاك التقدير أيضا فكما أن المقدّمات الوجوديّة للواجب المطلق واجبة على وجه الإطلاق فكذلك المقدمات الوجودية للواجب المشروط واجبة على وجه الاشتراط على النحو الذي يحكم بوجوب الواجب ضرورة أن الطلب على تقدير نحو من الطلب متحقق من الطالب في مرتبته في مقابل عدمه رأسا وإن لم يتحقّق التقدير والشرط لأن صدق الشرطيّة لا يتوقّف على صدق الشرط ولا يتفاوت حالها بين صدقه وكذبه ومن هنا حكمنا بكون استعمال الواجب فيه حقيقة وإن كان لفظة كل من الأمر وصيغته ظاهرا عند الإطلاق في الواجب المطلق لعدم التنافي بين الأمرين أصلا كما فصّل في محلّه وقلنا ببقائه على الاشتراط بعد وجود شرط الواجب كقبله ضرورة استحالة الانقلاب في قبال من زعم صيرورته واجبا مطلقا بعد الوجود ولذا أوردنا على من حكم في المسألة بخروج مقدّمات الواجب المشروط عن حريم البحث بأنه تخصيص في غير محلّه بعد حكم العقل بالتلازم بين الأمرين لأنه قضيّة عدم انفكاك وجوبها عن وجوبه وعلى من استدلّ على بطلان التعليق في العقود بكونه منافيا للإنشاء زعما منه أن الإنشاء لا يحصل إلا بعد وجود الشرط والمعلّق عليه بعدم التنافي بينهما لفساد الزعم المذكور نعم لا إشكال في كون شرط الوجوب خارجا عن حريم البحث ضرورة عدم إمكان اقتضاء الوجوب على تقدير إيجاب التقدير ومن هنا حكمنا بعدم وجوب تحصيل الاستطاعة ومقدار النصاب وذكرنا وذكروا أن قبول هبة مقدار الاستطاعة غير لازم وفرّقوا بينها وبين البذل وإن كان الفرق غير نقيّ عن الإشكال كما فصّل في محلّه وهذا كلّه لا إشكال فيما التزم به غير واحد من إيجاب فعل المقدّمة الوجوديّة للواجب المشروط قبل وجود شرط وجوبه بعنوان التنجّز بحيث يترتّب على ترك الواجب المترتّب على تركها بعد وجود شرط الوجوب عقاب فيما علم بعدم التمكّن من فعل المقدّمة بعد وجود شرط الوجوب مع العلم بأنه يوجد قهرا من غير اختيار المكلّف كالوقت ومن هنا حكموا بحرمة إتلاف الماء على المحدث بحدث الأكبر أو الأصغر قبل الوقت فيما علم بعدم التمكّن منه بعد دخول الوقت إلا فيما توقف عليه حفظ النفس المحترمة بل التزم بعض بأن الموقت مطلقا يقتضي إيجاب مقدّماته الوجوديّة قبل الوقت من حيث إن تنجّز الوجوب في الآن الأول من الوقت يقتضي ذلك بل ربما يقال بالتزام الكلّ به فيما كان الوقت بقدر الواجب كالصّوم الواجب في أول جزء من النهار إلى الليل ومن هنا اتفقوا على وجوب الغسل على المحدث بحدث الجنابة قبل الصبح وبوجوب نيّة الصّوم في الليل وبوجوب تعلّم القراءة قبل الوقت على من لم يحسنها إذا علم بعدم التمكّن منه بعد الوقت وهكذا وقد ضاق الأمر عليهم في هذه المواضع ووقعوا في حيص وبيص من جهة أن قضيّة تبعيّة وجوب المقدّمة لوجوب ذيها على ما عرفت كون ثبوت وجوبها على نحو ثبوته فلا معنى لتنجّزه مع عدم تنجّزه ومن هنا التجأ بعض أفاضل مقاربي عصرنا وزاد في بحث المقدمة تقسيما غير ما هو المعروف من الأقسام وجعل الواجب المطلق