ميرزا محمد حسن الآشتياني
201
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )
مسألة الصلاة مع النجاسة وإن كان جاهلا بالمسألة فقيل حكمه حكم العامد وفيه تأمّل إذ الإجماع فيه غير ظاهر والأخبار ليست بصريحة في ذلك والنهي الوارد بعدم الصلاة مع النجاسة أو الأمر الوارد بالصلاة مع الطهارة المستلزم له غير واصل إليه فلا يمكن الاستدلال بالنهي المفسد للعبادة لعدم علمه به ولما هو المشهور من الخبر الناس في سعة ما لم يعلموا وما علم شرطيّة الطهارة في الثوب والبدن مطلقا حتى ينعدم بانعدامه مع أن الإعادة يحتاج إلى دليل جديد إلا أن يقال إن وصل إليه وجوب الصلاة واشتراطها بأمور فهو لغفلته مكلف بالتفحّص والتحقيق والصلاة مع الطهارة وقالوا شرط التكليف إمكان العلم فهو مقصّر ومسقط عن نفسه بأنه لم يعلم فلو كان معذورا للزم فساد عظيم في الدين فتأمل فإن هذه من المبطلات ولا يبعد الإعادة في الوقت من غير كلام فتأمّل انتهى كلامه رفع مقامه وتمسّكه برواية السعة وإن كان كما ترى إلا أنه يكشف عن كون محلّ كلامه هو الجاهل المتردّد ولا معنى للحكم بصحّة عمله كما هو ظاهر وربما يستظهر من هذا الاستدلال كون مراده تقييد دليل الشرائط والأجزاء بالعلم وهو أيضا كما ترى ( ثمّ ) إنه أوضح الفريد البهبهاني عدم قبح تكليف الجاهل في المقام في هامش المدارك بأنه ليس حال هذا المكلّف إلا حال عبد أعطاه سيّده طومارا وقال أمرتك فيه بأوامر لو تركتها عاقبتك على كل واحد واحد وكذلك نهيتك عن أمور ولا يفتح العبد الطومار ولا يعتني بشأنه استنادا إلى أني جاهل بما في الطومار وتكليف الجاهل قبيح انتهى كلامه رفع مقامه وقال في الردّ على ما ذكره في المدارك من التكليف بما لا يطاق بعد ذكر وجوه على أنه لو تمّ ما ذكره لزم أن لا يكون الكفار مكلفين بالفروع على ما ذهب إليه بعض العامة وشنّع عليه باقي العامّة وجميع الخاصّة والخاصة مطبقون على تكليفهم بها انتهى كلامه رفع مقامه وجزاه الله وجميع المشايخ وعلمائنا عن الإسلام خير الجزاء [ في توضيح الحكومة من القول المشهور وقول صاحب المدارك ومن تبعه ] ( ثمّ ) إن تنقيح القول في المقام وتوضيحه بحيث يرفع غواشي الأوهام عن تمام ما أفاده شيخنا الأستاذ العلّامة قدس سره في الحكومة بين قول المشهور وقول صاحب المدارك وشيخه قدس سرهما أو توجيه أحدهما بحيث يرجع إلى الآخر فيرفع الخلاف من البين يتوقّف على رسم أمور وإن كان الناظر الراجع إلى مجامع ما قدّمنا في هذا الجزء والجزء السابق من التعليقة يقف عليها ولو على سبيل الإجمال ( الأوّل ) أن ما أنشأه الشارع من الأحكام التكليفيّة الخمسة ثبوته في نفس الأمر لا يمكن أن يكون منوطا بالعلم به وإلا لزم الدور الظاهر وكذا تنجّزه وفعليّته الذي هو من شؤونه ومراتبه بحسب حكم العقل ليس مشروطا بالعلم به بل نفس الالتفات إليه موجب لتنجزه ومن هنا حكمنا وحكموا بوجوب الفحص على الجاهل بالحكم الملتفت إليه وعدم كونه معذورا في مخالفة الواقع من غير فرق في ذلك بين القول بكون وجوب تحصيل العلم وطلبه نفسيّا كما سبق إلى بعض الأوهام أو للوصلة إلى الواقع وحفظه عن الفوت أحيانا على تقدير عدم الأخذ به على ما عرفت تحقيقه فيصرف ما دل بظاهره على خلافه أو يحمل على العقائد على تقدير إبقائه على ظاهره فإن قوله عليه السلام في بعض الأخبار طلب العلم فريضة على كل مؤمن ومؤمنة لا يجامع بظاهره أكثر الأخبار الدالة على كونه مطلوبا للعمل في الفروع وما دلّ من الأدلّة القاطعة على مشروعيّة التقليد والعمل بالطرق الغير العلميّة في الأحكام الفرعيّة لما عرفت من أن القول بكون العلم واجبا نفسيّا لا يستلزم معذوريّة الجاهل قبل الفحص في مخالفة الواقع فما أفاده العلامة وغيره قدس سرهما من عدم اشتراط التكليف بالعلم ممّا لا محيص عنه كما أنه لا فرق في ذلك بين الشاكّ والجاهل المركّب والغافل إذا فرض عروض الجهل والغفلة بعد الالتفات والتقصير وأما إذا فرض عروضهما قبل الالتفات أو بعده وقبل التقصير فالتكليف لا يتنجّز معه وإن كان موجودا في نفس الأمر فيهما كالشكّ بعد الفحص واليأس ( نعم ) يفترقان عنه في عدم إمكان تحقق الامتثال معهما مطلقا وإمكانه معه كذلك هذا بالنسبة إلى نفس الأحكام الشرعية التكليفيّة وأما موضوعاتها الاختراعيّة فربما يكون وجودها الخارجي في العبادة من المكلّف موقوفا على تعلّمها كالقراءة الصحيحة مثلا فإنها متوقّفة على تعلّمها فتحصيل العلم مقدّمة وجوديّة لها في العادة لكنّه لا تعلّق له بالمقام أصلا كما لا يخفى فقد تبيّن ممّا ذكرنا كلّه أن العلم ليس شرطا في التكليف أصلا لا في تحقّقه في نفس الأمر ولا في تنجّزه على المكلّف ولا في امتثاله لأن نفس الالتفات كاف في التنجز وإمكان الامتثال ما دام موجودا وإن لم يمكن الامتثال مع عروض الغفلة لكن تنجّزه لا يرتفع إذا كان عروضها من سوء اختيار المكلّف هذا بالنسبة إلى نفس التكليف وأمّا ما يعتبر في عبادة جزءا وشرطا أو مانعا فلا معنى لارتباط اعتباره بالعلم بالحكم واعتباره وفساد العبادة الخالية عنه أيضا سواء كان دليله من قبيل الجملة الخبريّة كقوله عليه السلام لا صلاة إلّا بطهور ولا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب أو الجملة الطلبيّة الإنشائيّة ولو قيل بعدم توجّه الخطاب بالصّلاة المشتملة على الجزء مثلا بالجاهل به أو الغافل عنه فإنه لا يثبت الأمر بالخالية عنه ومن هنا التزم صاحب المدارك واعترف بوجوب الإعادة على من صلّى في النجاسة جاهلا بحكم الإزالة وأمّا الحكم بصحّة صلاة الجاهل بحكم الجهر والإخفات أو المتمّم في السفر جهلا بالحكم فليس من جهة كون العلم بالحكم مأخوذا في الموضوع كما قال به علم الهدى فيما سيجيء من كلامه بل من جهة ما ستقف عليه ممّا لا ينافيه وكذا الحكم بصحّة صلاة الجاهل بحكم الغصب في الجملة ليس من جهة كون حرمة الغصب تابعة للعلم بل من جهة ما سيجيء الإشارة إليه أيضا وهذا كلّه مما لا يعتريه ريب إن شاء الله تعالى ومنه يظهر النظر في مواضع من كلام صاحب المدارك [ في الإشارة إلى جملة من الأحكام الخلل الواقع في الصّلاة ] ( الثّاني ) أنا قد ذكرنا لك سابقا في طي الكلام فيما يتعلّق بالأقلّ والأكثر أنه قد يحكم بمانعيّة شيء للعبادة أو شرطيّة عدمه لها من جهة تعلّق النهي النفسي بعنوانه المتّحد مع العبادة في الخارج أحيانا كالغصب فإنه قد يتّحد مع العبادات من الصّلاة والغسل والوضوء وغيرها فيحكم من جهة تحريمه على القول بامتناع اجتماع الأمر والنهي بشرطية إباحة المكان واللباس والماء ونحو ذلك فيحكم بفسادها لكن لا مطلقا بل في الجملة ( وتوضيح ) ذلك أن الغاصب في ضمن العبادة المتحدة معه