ميرزا محمد حسن الآشتياني
195
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )
قيل بتقدّم تحصيل الطريق الشرعي عليه أو تحصيل العلم عليه مطلقا أو في الجملة في العبادات فإنما هو من جهة أخذ ما يوجب إعماله إلقاءه في العبادة فليس هنا احتياط وإحراز للواقع حقيقة مما لا يعتريه شكّ وريب أصلا ومن هنا وقع الاتفاق عليه بالنسبة إلى التوصّليات حتى مع التمكن من العلم التفصيلي فضلا عن الطريق الشرعي ولو بالنسبة إلى التعبّديات من غير الحلّي فيما لا يتمكن من الطريق أصلا وإن توقف على التكرار وهذا بخلاف سائر الأصول فإنّها مشروطة بالفحص عن الطريق في الشبهات الحكميّة على ما ستقف عليه وإن كان مفاد بعض ما أقاموا عليه عدم جريانها من دون فحص على ما يشير إليه وإن كان ربما يتوهم المتوهم أن الدليل على وجوب تحصيل العلم في الأحكام الإلهيّة وعلى وجوب العمل بالطرق الشرعيّة يمنع من الأخذ بالاحتياط مع التمكّن من تحصيلهما لكنه فاسد من حيث إن مفاد لزوم تحصيل العلم بالفروع وكذا لزوم العمل بالطريق إنما هو من حيث التوصّل بهما إلى الحكم الفرعي والأخذ به والعمل عليه فلا يمنع من الأخذ بما يوجب تحصيل الواقع والعمل عليه ( نعم ) وجوب تحصيل العلم بالحكم الإلهي من حيث حفظه وصيانته عن الاندراس على تقدير ثبوته ربما يمنع من الرجوع إلى الاحتياط في الأحكام الشرعيّة مع التمكّن من العلم التفصيلي من جهة صيرورته بهذه الملاحظة واجبا نفسيّا لكن يمكن أن يقال إنه على تقدير ثبوته لا يوجب بطلان العمل المأتي به بعنوان الاحتياط وإن عصى المكلف بترك تحصيل العلم فالاحتياط من حيث ترتب الأثر عليه غير مشروط بالفجر عن تحصيل العلم والطريق الشرعي فتصحّ المقالة المذكورة على هذا التقدير أيضا فتدبّر [ في بيان حكم المحتاط التارك لطريقي الاجتهاد والتقليد والإشارة إلى صوره ] ( قوله ) قدس سره ثم إن هذه المسألة أعني بطلان عبادة التارك للطريقين إلى آخره ( 1 ) ( أقول ) من المحتمل قريبا إرادة أكثر القائلين ببطلان عبادة تارك الطريقين لبيان حكم القسم الثاني لا ما يعمّه والقسم الأول أي الجاهل بالواقع الباني على إحراز الواقع بالاحتياط فما ذكروه لا محيص عنه بالنسبة إلى الملتفت من حيث عدم إمكان قصد التقرب والامتثال مع التردّد كما ستقف على تفصيل القول فيه ( نعم ) في كلام بعض السادة المتأخرين ممن قارب عصرنا التصريح بالتعميم كما هو صريح الكتاب والكلام في تحقيق ما يتعلّق بالمقام وإن تقدّم في الجزء الأول من التعليقة في فروع العلم إلّا أنا نعيد الكلام فيه تبعا لشيخنا قدس سره لمزيد الاهتمام بشأن المسألة وكثرة الحاجة إليها ونحن نحرر الكلام في المقام في جواز الاكتفاء بالاحتياط مع توقّفه على التكرار فيما تمكّن من تحصيل العلم بالواقع في الشبهات الحكميّة والموضوعيّة ويعلم جواز الاكتفاء به في سائر الصور بالأولوية وإن كان موضوع البحث في الكتاب التكلم في جواز الاحتياط مع التمكن من سلوك الطريق الشرعي بالاجتهاد أو التقليد ( فنقول ) إنه كما يحكم العقل والعقلاء بحصول الامتثال والإطاعة إذا كان داعي الفاعل من إيجاد الفعلين التقرب إلى المولى بفعل أحدهما من حيث العلم بكونه مطلوبا له في العرفيّات والشرعيّات مع عدم التمكّن من تحصيل العلم بالمطلوب تفصيلا كما هو المتفق عليه بينهم وإلا لم يكن الاحتياط فيه مشروعا وحسنا وهو خلاف العقل والنقل كذلك يحكمان بحصولهما في الفرض مع التمكّن والقدرة على تحصيل العلم بالمطلوب تفصيلا كما نشاهد ذلك بالرجوع إلى عقولنا ودعوى الفرق بينهما في حكمهما مجازفة صرفة لا شاهد لها أصلا بل الشاهد على خلافها من غير فرق في ذلك بين التوصليّات والتعبّديات لأن الفرق بينهما إنّما هو في اشتراط صحة الواجب بحصول الامتثال في الثاني دون الأول وإن توقف ترتب الثواب فيه على حصول الامتثال لا في حصول الامتثال بالإطاعة الإجمالية مع التمكّن من الإطاعة التفصيليّة ( نعم ) لو شكّ في حكمهما بحصول الامتثال بالإطاعة الإجمالية مع التمكّن من الإطاعة التفصيليّة لم يكن إشكال في عدم جواز الاكتفاء بها في مقام الامتثال وإن قلنا بالبراءة في دوران الأمر في المكلف به بين الأقل والأكثر ضرورة ثبوت الفرق بينه وبين المقام الذي لا تعلق له ببيان الشرع على ما صرح به قدس سره في الكتاب ( وأمّا ) ما ذكر مانعا وفارقا فوجوه لا يصلح للمنع والفرق بين الموضعين استدل بأكثرها للمنع من الاكتفاء بالاحتياط عند التمكن من سلوك الطريق الشرعي حتى فيما لا يتوقّف الاحتياط فيه على التكرار وإن كان بعضها مختصّا بخصوص محل البحث كلزوم مقارنة فعل الواجب بقصد الوجه المتحقق بنيّة الوجوب أو وجهه وعنوانه الذي أوجب انطباقه على الواجب وعروضه عليه تعلّق الطلب الإلزامي به من الشارع ككونه لطفا مثلا ومن هنا قالوا إن الواجبات السمعيّة إنما وجبت لكونها ألطافا في الواجبات العقلية إذ لم يلتزم أحد من العدليّة القائلين بالتحسين والتقبيح وكون الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد بلزوم وجود المصلحة في الواجبات الشرعيّة مثلا في ذواتها من غير أن يعرضها من جهة العنوانات المنطبقة عليها لأنه إذا لم يقصد الواجب بالوجه المذكور لم يكن تحقّق الفعل المعنون اختياريا وإن كان ذات الفعل المقصود اختياريّا ضرورة توقّف اختيارية عنوان الفعل على قصده عند الفعل ولو على وجه الإجمال وقصد ما يكون مسبّبا عنه ومن عوارضه وإذا لم يكن ترتب العنوان اختياريّا لم يعقل حصول الامتثال والإطاعة فيكون العبادة فاسدة من حيث توقفها على حصول الإطاعة والامتثال ومن هنا اتّفق المتكلّمون على لزوم مقارنة فعل الواجب لقصد الوجوب أو وجه الوجوب أو لزوم معرفة الوجه وتميز الواجب من حيث ذاته وأجزائه وشرائطه عن غيره وإن لم يقصد الوجه حين الإتيان كما يظهر الاكتفاء به عن بعضهم وكون الاكتفاء بالاحتياط مع التمكّن من تحصيل العلم خلاف الإجماع المنقول في كلام أهل المعقول وبعض أهل المنقول كالسيّد الرضي قدس سره فإنه ادّعى الإجماع على بطلان صلاة من لا يعلم أحكامها في قبال أخيه الأجلّ علم الهدى بعد قوله بصحّة صلاة الجاهل بالحكم في موضعين على ما سيأتي ذكره وقد قرّر الدعوى المذكورة ولكن أجاب عن أصل الشبهة بما لا يخلو عن مناقشة سنشير إليها ومنع حصول الإطاعة عند العقلاء بالتكرار فيما يتمكّن من تحصيل المأمور به سيّما بالعلم التفصيلي وعدّهم المحتاط لاعبا بأمر المولى لا مطيعا كما يظهر من المثال المذكور في الكتاب فإن الأول مندفع أوّلا بأنّ الاكتفاء