ميرزا محمد حسن الآشتياني

153

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

هو طبيب النفوس لا يأمر بشيء يرجع فائدته إليه بل أمره دائما يرجع إلى تداوي النفوس والفوائد الراجعة إليهم وإلا فهو غنيّ بالذات ( قلت ) نمنع لزوم تحصيل الغرض الذي يكون من العلّة الغائية والفائدة المقصودة من تشريع الأحكام لأن الواجب في حكم العقل هو تحصيل البراءة عمّا أوجبه الشارع ليس إلّا وأمّا قياس المقام بأمر الطبيب ففاسد جدّا لأن أمر الطبيب إرشاديّ صرف لا يتكلّم فيه من حيث الإطاعة والمعصية والثواب والعقاب ومن هنا لا يفرّق بين أمره وإخباره عن الدواء المركّب وإنها نافعة بل الأمر كذلك فيما لو تعلّق غرض المريض أو غيره بتحصيل عنوان من فعل مركّب يشكّ في مدخليّة بعض الأمور في حصوله مع علمه بعدم كونه ضارّا فإنّ ترك الاحتياط فيه نقض للغرض عند العقلاء وهذا بخلاف المقام الذي نتكلّم فيه من حيث المعصية والإطاعة وإن كان للأمر الشرعي المولوي جهة إرشادي أيضا لكنه ليس ممحّضا فيه كما تبيّن في محلّه ( فإن قلت ) يجب على الشارع إيجاب الاحتياط في المقام إذ لولاه لزم نقض الغرض من تشريع الأحكام المبتنية على المصالح فتسليم الابتناء يلازم الالتزام بذلك فيتمّ المدّعى ( قلت ) الابتناء المذكور وإن كان مقتضيا لذلك كما يكشف عنه حديث الرفع بالبيان الذي عرفته في الموضع الأوّل عند التكلم في الحديث الشريف إلا أنه ليس علّة تامّة له فربما يكون هناك موانع ومصادمات لمقتضاه لا يعلم بها إلا علّام الغيوب ومن هنا كان بناء الشرع على رفع الأحكام الحرجيّة وتدريج بيان الأحكام وقال صلى اللَّه عليه وآله بعثت على السّمحة السّهلة ولولاه كان مقتضى ما ذكر وجوب الاحتياط حتّى في الشك في التكليف كما هو ظاهر وثانيا سلمنا كون مقتضى الابتناء المذكور تعلّق التكليف الواقعي النفس الأمري بتحصيل المصلحة وإيجادها لكن نمنع من اقتضائه وجوب الاحتياط في المقام نظرا إلى كون المحصّل شرعيّا فيجب بيانه على الحكيم تعالى فإذا كان مردّدا بين الأقل والأكثر فيرجع إلى البراءة بالنسبة إلى الزائد وهذا نظير الأمر بالوضوء والغسل المحصّلين للطهور مع كونه شرطا للصّلاة إذا فرض الشكّ في جزئيّة شيء للوضوء مثلا فإنا نحكم فيه بالبراءة ولا نوجب الاحتياط وهذا وإن كان مخالفا لما أطلقه شيخنا قدس سره في المسألة الرابعة أو لما صرّح به إلا أنه الحق الذي لا يختص عنه وسيأتي له مزيد بيان في تلك المسألة وممّا ذكرنا كله يظهر فساد التمسّك بما ذكره المتكلمون من كون الواجبات السمعيّة ألطاف في الواجبات العقليّة لإيجاب الاحتياط في المقام نظرا إلى كون اللطف واجبا أوليّا حقيقة أو غرضا من تشريع الواجبات السمعيّة على نحو ما عرفت في تقريب الاستدلال بالابتناء المذكور هذا وسيأتي بعض الكلام فيه مضافا إلى ما عرفته عند تكلم شيخنا الأستاذ العلامة قدس سره عليه ( وأمّا الوجه ) الخامس الذي استند إليه الشيخ الفاضل في الفصول فمرجعه في الحقيقة إلى التمسّك بالوجه الأوّل مبنيّا على منع جريان دليل البراءة في المقام حقيقة من جهة عدم مساعدته لإثبات كون الماهيّة هي الأقلّ الذي هو مبنى عدم جريان قاعدة الاشتغال بزعمه وإن سلّم نهوضه لنفي الوجوب الغيري كنفي الوجوب النفسي المستقل فيتوجّه عليه بأن ابتناء جريان القاعدة على عدم تعيين الماهيّة ومنعه على نفيها لم يعلم له مستند أصلا إذ مجرّد نفي العقاب المحتمل في ترك الأكثر أو الزائد يكفي رافعا لموضوع القاعدة أعني الضرر المحتمل فلا شاهد لما أفاده أصلا بل الشاهد على خلافه ثمّ إن في ما أفاده بطوله أنظارا يطول المقام بذكرها ولعل المتأمل يقف عليها هذا ما ساعد عليه المجال في ذكر ما هو العمدة من مستند القائل بالاحتياط والإشارة إلى ضعفه على سبيل الإجمال وسيجيء الإشارة إلى بعض وجوه أخر في الكتاب وضعفه وليكن في ذكر منك لعلّه ينفعك في الوقوف على حقيقة الحال فإن ما أفاده شيخنا قدس سره في تحرير المقام فإنه لا يخلو عن ثبوت الإجمال والله أعلم بحقيقة الحال [ في بيان القول المختار وذكر مستنده ودليله ] ( قوله ) قدس سره وأمّا العقل فلاستقلاله بقبح مؤاخذة من كلّف بمركّب إلخ ( 1 ) ( أقول ) لا يخفى عليك أن ما ذكره قدس سره من الوجهين في الاستدلال على المدّعى هو الذي ينبغي أن يذكر ويعتمد عليه على ما عرفت الإشارة إليه وأمّا سائر الوجوه التي استدلوا بها للقول المختار فتعرف عدم نهوضها لإثباته وعدم تماميتها ثمّ إن ما ذكره من استقلال العقل في الحكم بقبح المؤاخذة في الفرض المذكور ممّا لا شبهة فيه ولا ريب يعتريه يشهد به الوجدان وتقبيح العقلاء كافة من يعاتب عبده ويؤاخذه على ترك المركّب المسبّب عن ترك بعض أجزائه الذي لا يعلم العبد بوجوبه بعد الفحص التام بقدر وسعه عنه فيما نصبه المولى لمعرفة أحكامه وما حكم به العقل عند فقد الطريق المنصوب من قبل المولى سيّما بملاحظة الخصوصيّة التي ذكرها الأستاذ العلامة بقوله خصوصا مع اعتراف المولى بأني ما نصبت لك عليه دلالة فإن حكم العقل بقبح المؤاخذة في الفرض أوضح ودعوى أن العقل إنما يقبح المؤاخذة على المولى فيما لم ينصب دلالة على الحكم أصلا لا فيما نصبتها واختفت على العبد والكلام إنما هو في الثاني لا الأول فاسدة جدّا لأنه إذا قيل بكون العلم الإجمالي بالتكليف علّة تامّة في نظر العقل في حكمه بوجوب الاحتياط وإن تردّد متعلّقه بين الأقل والأكثر لم يكن معنى للدعوى المذكورة أصلا ومن هنا نلتزم بوجوب الاحتياط فيما التزمنا بوجوبه من المتباينين حتى في صورة العلم بعدم نصب الدلالة عن المولى على بيان المكلّف به على ما عرفت تفصيل القول فيه سابقا غاية ما في الباب كون ترك النصب منه قبيحا لو فرض عدم المصلحة فيه لكنه لا يرفع قبح ترك الاحتياط من العبد وحسن مؤاخذته على الواقع المتروك إذ لا ملازمة بينهما أصلا ولا دخل لأحدهما بالآخر جزما إذ مورد أحد القبيحين فعل العبد من غير أن يكون له دخل بفعل المولى ومورد الآخر فعل المولى من غير أن يكون له دخل بفعل العبد والحاصل أنّ هنا قاعدتين لا دخل لأحدهما بالأخرى ولا ارتباط بينهما أصلا أحدهما وجوب اللطف والبيان على المولى الثانية وجوب الاحتياط وتحصيل الإطاعة القطعيّة العلميّة على العبد بعد العلم الإجمالي بإرادة المولى وإن لم يعلم المراد تفصيلا بأن تردّد بين أمرين أو أمور متباينة أو الأقلّ والأكثر فالتوهم المذكور فاسد جدّا فقد تبيّن مما ذكرنا كلّه عدم الارتياب