ميرزا محمد حسن الآشتياني

145

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

تقدّم الملاحظة وتأخّرها بل قد يقال إن أمر قصد الوجه عند القائل به كما مر قصد التقرّب فهو من مقوّمات العبادة مطلقا فتدبّر [ في أن شرط الاحتياط قصد إتيان تمام المحتملات من أوّل الأمر ] ( قوله ) ويترتّب على هذا أنّه لا بد من أن يكون إلى آخره ( 1 ) ( أقول ) ترتب ما أفاده على ما ذكره من كيفيّة النيّة عند تردّد الواجب من كونه حين الإتيان ببعض المحتملات إذا لم يكن المحتمل الأخير عازما على الإتيان بباقي المحتملات مما لا خفاء فيه أصلا ضرورة أن الإتيان بالشيء من حيث كونه مقدّمة لا يمكن مع عدم قصد الإتيان بذيها فإذا كان وجوب كل محتمل في المقام من حيث كونه مقدّمة علميّة فلا محالة لا بد أن يكون عازما على تحصيل العلم بالواجب في زمان الإتيان به الذي لا يتحقّق إلا بإتيان جميع المحتملات ومن هنا ذكرنا في من عليه قضاء الصّلاة أنه لا يمكن له قصد الإتيان بمقدّمات الصّلاة قبل الوقت مع عدم عزمه على القضاء فلا يتمكن من قصد الوجوب في الطهارة قبل الوقت وإن وجبت عليه ( نعم ) لو لم يتمكّن من الإتيان بجميع المحتملات في مقام ولو بضيق الوقت أو تمكّن وكان حرجيّا أو تمكّن وقام الدليل على عدم تنجّز الخطاب بالواقع على كل تقدير كما في موارد الطرق الشرعيّة أو فرض عدم العلم بالتكليف كما في موارد احتمال الوجوب أو قلنا بعدم وجوب الاحتياط وكفاية الموافقة الاحتماليّة كان الامتثال في حكم العقل والعقلاء بإتيان الفعل بداعي امتثال الأمر المحتمل المتعلّق به لأنه غاية ما يمكن من الإطاعة والامتثال فلو بني على عدم كفايته لزم ما قضى العقل والشرع ببطلانه وهذا بخلاف المفروض في المقام فإنه لا يتحقق الامتثال بحكم العقل والعقلاء فيما لو عزم على الاقتصار ببعض محتملات الواجب فيحكم بفساده ولو انكشف كونه الواقع بعد العمل ( لا يقال ) ما ذكر من الوجه إنما يتم فيما لو كان قصد الفاعل امتثال الأمر العقلي بوجوب الاحتياط وتحصيل العلم بالواقع فإنه لا يتمكّن مع عدم العزم على فعل جميع المحتملات لا فيما كان من قصده امتثال الأمر الشرعي المتعلّق بأحدهما في نفس الأمر ضرورة عدم كون الانضمام مقدّمة وجودية للواجب في مفروض البحث فإذا كان من قصده الاقتصار على بعض محتملات الواجب فقد قصد امتثال الأمر الواقعي على تقدير انطباق الواجب على ما أتى به فيكون مسقطا للأمر على تقدير المطابقة نعم على تقدير عدم المطابقة لا يكون معذورا في مفروض البحث بخلاف ما لو كان في تكليفه عدم وجوب الإتيان بتمام المحتملات ولو ظاهرا من جهة قيام الطريق الشرعي أو اقتضاء بعض الأصول فإنه يكون معذورا مطلقا ما لم ينكشف الخلاف ومن هنا قال شيخنا الأستاذ العلامة في رسالته المعمولة في بحث التقليد بكفاية هذا النحو من الامتثال من الجاهل المقصّر التارك لطريقي الاجتهاد والتقليد والاحتياط المقتصر على بعض المحتملات ولو من جهة الاعتماد على بعض ما لا يكون طريقا في الشرع فإنه يتأتى منه قصد التقرب والامتثال ( لأنا نقول ) الأمر العقلي المتعلّق بالاحتياط أمر إرشاديّ لا تقرب لامتثاله أصلا بل وكذا الأمر الشرعي المتعلّق به لا يكون عباديّا والكلام إنما هو في كيفيّة امتثال الأمر الشرعي الواقعي المولويّ المعلوم المتعلق بأحد الفعلين وليس الوجه في الحكم بعدم تحقق قصد الامتثال والإطاعة من العازم على الاقتصار ببعض المحتملات كون الانضمام مقدّمة وجوديّة للواجب الواقعي وكونه مقدّمة لحصول العلم بالواجب على ما ذكر في السؤال بل كونه غير مطيع في حكم العقل والعقلاء من حيث إن المحرّك للإقدام والدّاعي على الفعل إذا كان امتثال الأمر المحقق الواحد المتعلّق بأحد الفعلين أو الأفعال فلا يمكن تحقّقه إلا بكونه عازما على الإتيان بجميع محتملات الواجب المفروض في المقام فالعازم على الاقتصار بالبعض ليس ممتثلا عندهم على كل تقدير ( نعم ) لو كان هناك أمران متعلّقان بفعلين كان امتثال كل أمر بالعزم على إيجاد متعلّقه ولو لم يكن عازما حين العزم عليه على إيجاد متعلّق الأمر للآخر بل عازما على عدمه لبعض الدواعي النفسانيّة كما إذا كان عازما حين إرادة الصلاة على ترك الزكاة والصّيام مثلا فإنه مطيع بالنسبة إلى أمر الصلاة وإن كان التفكيك المذكور منافيا لمقام العبوديّة التي ورد فيها كونها جوهرة كنهها الربوبيّة ضرورة عدم تصوّر التفكيك بالنسبة إلى المقام المذكور المختصّ بالأولياء والنفوس المطمئنّة القدسيّة وأمّا ما أفاده في الرسالة فإنما ذكر وجها لا اختيارا كيف ومصنفاته فقها وأصولا مشحونة من القول بعدم الكفاية كما هو المسلّم عندهم ( فإن قلت ) المناط والعلّة في حكم العقل بوجوب الاحتياط في جميع موارد حكمه من غير فرق بين التعبديّات والتوصّليات هو لزوم دفع الضرر المحتمل ومقتضى ما بنيت عليه في الأمر باب الاحتياط اعتبار القصد بإتيان جميع المحتملات في صحّة المأتي به أولا نظرا إلى عدم تحقق امتثال الأمر المحقّق إلّا على الوجه المذكور هو القطع بترك الواجب والعلم بالعصيان مع القصد على الاقتصار بفعل بعض المحتملات سواء كان الواجب ما قصد إتيانه أو غيره لأن المفروض بطلان المأتيّ به على تقدير كونه واجبا في نفس الأمر لعدم تحقق الامتثال بالفرض وإن كان آتيا بذات الواجب فيلزم العلم بالتضرّر على تقدير ترك البعض كما يلزم على تقدير ترك الكلّ فيكون مناط حكم العقل بوجوب الاحتياط في العبادات مغايرا لمناط حكمه بوجوبه في التوصّليّات وهو كما ترى ( قلت ) الحاصل من الإتيان بكل محتمل في مفروض البحث مع القصد المزبور ليس إلا رفع العقاب المحتمل في تركه من حيث احتمال كونه واجبا واقعيّا فإذا كان من قصده الإتيان بجميع المحتملات عند فعل البعض فلا يحصل بعد فعله بالقصد المذكور ما لم ينكشف الحال إلّا دفع العقاب المحتمل على تقدير كونه واجبا لا القطع بعدم العقاب ضرورة منافاته مع فرض تردّد الواجب ففعل البعض مع القصد المزبور لا يترتّب عليه إلّا دفع العقاب المحتمل ( نعم ) فعله لا بالقصد المذكور كتركه رأسا لا يترتّب عليه إلا الوقوع في محتمل الضرر إذا لوحظ مجرّدا عن ترك غيره نعم يترتّب عليه الوقوع في مقطوع الضرر إذا لوحظ مع ترك غيره لا مع مجرّد عدم العزم على فعل غيره غاية ما هناك في العبادات المردّدة بين المتباينين عدم إمكان دفع الضرر المحتمل في ترك البعض إلا بإتيانه على الوجه الذي ذكرنا وأين هذا من تغيّر عنوان حكم العقل بوجوب الاحتياط بحسب موارده وكونه دفع الضرر المقطوع في العبادات المردّدة والضرر المحتمل في التوصليات المردّدة هذا ما أدّى إليه