ميرزا محمد حسن الآشتياني
121
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )
غالبا عصيان الشارع بالنسبة إلى غير التكليف الحرجي فضلا عن الحرجي بل ربما يوجب مع كثرته رفع اليد عن الدين في حق الغالب وبهذه الملاحظة كان مبنى تبليغ الرسل على بيان الأحكام تدريجا فإذا فوّت الشارع مصلحة التكليف في حق المكلّف فيتداركها بالتسهيل ومن المعلوم عدم اقتضاء ذلك رفع الحكم عن فعل لا حرج فيه أصلا بالنسبة إلى بعض جزئيّاته في حق تمام المكلّفين أو عن فعل لا حرج فيه أصلا ومطلقا بالنسبة إلى مكلّف خاصّ وإن كان حرجيّا في حق غيره بالنسبة إلى تمام جزئياته ومصاديقه فإن تفويت شخص المصلحة عن نوع المكلفين وتفويت نوع المصلحة الملزمة عن مكلّف مع عدم التدارك بالتسهيل خلاف سوقه للامتنان على العباد مضافا إلى ما قيل من كونه خلاف مقتضى الحكمة والعقل إذ كما لا يجوز جعل التكليف بلا جهة كذلك لا يجوز رفعه مع وجود الجهة بلا تدارك ( لا يقال ) تعميم رفع الحكم من دون مصلحة توجبه وإن كان قبيحا كرفعه رأسا من دون تدارك أصلا إلا أن نفس اطّراد الحكم عندهم مصلحة صالحة لتدارك ما يفوت عن المكلّف فلا يحتاج إلى مصلحة أخرى ومن هنا ذكروا أن الحكمة لا يلزم اطّرادها مع اطراد الحكم بالفرض ( لأنّا نقول ) ما ذكر فاسد جدّا ضرورة أن الاطراد بنفسه ليس شيئا قابلا لتدارك ما يفوت عن المكلّف [ في أن المنفي بأدلّة نفي الحرج هل هو الحرج الشّخصي أو النوعي ] ( نعم ) قد يكون هناك مصلحة في اطّراد الحكم من الشارع مع عدم وجود المصلحة الشخصيّة في الفعل الذي تعلّق به الحكم ومن هذا الباب قولهم بعدم لزوم الاطراد في حكمة الحكم فإن شئت قلت فرق بين جعل التكليف لمصلحة في نوع الفعل وإن تخلّف عن بعض أشخاصه ورفع التكليف عن نوع الفعل بما دلّ على نفي الحكم الحرجي مع وجود المصلحة الملزمة في بعض أشخاص الفعل من دون أن يكون فيه حرج وقد نبّهنا على ذلك عن قريب وسننبّه عليه أيضا في طيّ ما سيتلى عليك وأما الاستعانة بالرواية في إثبات دلالتها على المعنى المذكور فهي موقوفة على تماميّتها سندا ودلالة حتى تصلح لصرف ما عرفت عن ظاهره وهي في محل المنع ثمّ إن هذا الذي ذكرنا لا يختصّ بالمقام بل يجري بالنسبة إلى ما دلّ على نفي الضرر أيضا وثانيا نسلّم كون الكبرى المستفادة من دليل نفي الحرج هو رفع الحكم عمّا كان في غالب أفراده الحرج وإن تخلّف عن بعض أفراده لكن نمنع كون المعنى المذكور مفيدا في المقام فإنه على المعنى المذكور لا بدّ من أن يلاحظ كل موضوع كليّ تعلّق به الحكم في الأدلّة فإن لزم من جعله الحرج على أغلب أفراد المكلّفين في أكثر أفراد هذا الموضوع الكلّي حكم بارتفاعه عن ذلك الموضوع الكلّي بإطلاقه عن جميع أفراده وعن جميع المكلفين حتى من الفرد الذي لا حرج فيه أصلا لتمام المكلّفين وعن المكلّف الذي لا حرج في حقّه أصلا بالنسبة إلى تمام الأفراد وهذا المعنى كما ترى لا تعلّق له بالمقام أصلا إذ الشبهة الغير المحصورة لم يتعلّق بها حكم في الشرع بهذا العنوان وإنما هو عنوان ومفهوم منتزع عن موضوعات مشتبهة والمقتضي لوجوب الاحتياط في كل موضوع مشتبه هو نفس دليل تحريم ذلك الموضوع بضميمة حكم العقل فلا بد أن يلاحظ الحرج بالنسبة إلى كلّ حرام مشتبه فإن لزم بالنسبة إلى أغلب أفراد حرام بالنسبة إلى أغلب المكلّفين حكم بارتفاع وجوب الاحتياط عن تمام أفراده وعن جميع المكلّفين وإن لم يلزم بالنسبة إلى أغلب أفراد حرام مخصوص مشتبه بالشبهة الغير المحصورة لم يكن معنى لرفع وجوب الاحتياط عنه كلّيّة وإن حكم بارتفاعه عن فرد شخصيّ يلزم منه الحرج في حق مكلّف شخصيّ كما يكون الأمر كذلك بالنسبة إلى الشبهة المحصورة أيضا فقد علم ممّا ذكرنا أن هذا الوجه مع تسليمه لا يفي بإثبات المدّعى في تمام أفراد هذا المفهوم المنتزع لحرام مشتبه بالشبهة الغير المحصورة الذي لا يلزم الحرج من الاحتياط في أغلب أفراده لأغلب المكلّفين باعتراف الخصم ومنه يظهر أن الاستعانة بالأخبار الدالّة على إناطة الأحكام بالعسر واليسر الغالبيّين لا ينفع أصلا على تقدير الإغماض عن المناقشة فيها فلعلّ الوجه في الاستدلال بهذا الوجه مع ما عرفت ما أفاده شيخنا في الكتاب بقوله وكان المستدل بذلك جعل الشبهة الغير المحصورة واقعة واحدة إلى آخر ما أفاده قدس سره ( وثالثا ) على تقدير تسليم إرادة المعنى المذكور مما دلّ على نفي الحرج وكون الشبهة الغير المحصورة عنوانا في نفسه اقتضى الدليل وجوب الاحتياط عن نفس هذا العنوان نمنع من لزوم الحرج بالنسبة إلى أغلب أفرادها التي هي أنواع حقيقة لأن بعض الأطراف من كثير أفراد الشبهة الغير المحصورة ليس محلّا لابتلاء غالب المكلّفين كما يشهد به الوجدان وبعد إخراج هذه عن محلّ الكلام سواء كان الاحتياط فيها موجبا للحرج أم لا لما عرفت من عدم وجوب الاحتياط فيما كان بعض أطراف العلم الإجمالي خارجا عن محلّ الابتلاء مع حصر الشبهة فضلا عن كونها غير محصورة توجّه منع وجود الحرج بالنسبة إلى أغلب أفراد محلّ الكلام من الشبهة الغير المحصورة وإن سلم تحقّقه في أغلب أفرادها بقول مطلق وفي المجموع ممّا هو محلّ الكلام وغيره ( وإن قيل ) المدّعى وجود الحرج في أغلب أفراد محلّ الكلام وبعد تسليم الغلبة وإناطة حكم الرفع بها وكون الشبهة الغير المحصورة عنوانا مستقلّا بالملاحظة لم يكن معنى لهذا الجواب الثالث ( قلنا ) المدعى وإن كان ذلك لما عرفت من خروج ما لم يكن تمام أفراده محلا للابتلاء عن محلّ البحث إلا أنه لم يسبق منا الاعتراف بما ذكره أي عسر في الاجتناب عن الخمر المشتبه بالشبهة الغير المحصورة والمرأة المحرّم نكاحها المشتبهة في نساء في صقع من الأرض وكذلك بالنسبة إلى المال المشتبه ومهدور الدم المشتبه إلى غير ذلك ( ورابعا ) نمنع من لزوم الحرج على الغالب بالنسبة إلى أفراد نوع واحد تسالموا على لزوم الحرج الغالبي بالنسبة إليه فإن النوع الذي يلزم بالنسبة إليه الحرج من دون إشكال النجس المشتبه ومن المعلوم أنه لا يلزم الحرج الغالبي من الاجتناب عن كثير من أفراده المشتبهة بالنسبة إلى الأرض والطعام وغيرهما فتأمل فهذا الوجه لا يسمن ولا يغني أصلا نعم لا إشكال في عدم وجوب الاحتياط بالنسبة إلى مورد وفرد من نوع يلزم الحرج من الاحتياط فيه وإن لم يلزم في أغلب أفراده كما هو واضح وقد عرفت الإشارة إليه وممّا ذكرنا كله يظهر توجّه النقض عليهم بالشبهة المحصورة فإنه لا إشكال في لزوم الحرج من الاحتياط فيها في الجملة [ نقل كلام المحقّق القمّي وصاحب الفصول قدس سرهما ] ( ثمّ ) إن للمحقق القمي وبعض أفاضل معاصريه قدس سرهما كلاما متعلّقا بالمقام لا بد من إيراده قال في القوانين في مقام النقض على ما استدلّوا به لوجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة