ميرزا محمد حسن الآشتياني

11

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

الجميع في الأدلّة انتهى كلامه رفع مقامه وأنت خبير بأن تعميمه التكليف بحسب الاصطلاح وإن كان جيّدا إلّا أنّ حكمه بتعميم العنوان لما يشمل غير الإلزام من جهة عموم أدلّة البراءة قد عرفت ما فيه نظرا إلى اختصاصها عقلا ونقلا بنفي الإلزام نعم قد عرفت الإشارة إلى عدم الإشكال في نفي الاستحباب والكراهة والأحكام المترتّبة على عنوانهما لكنه لا تعلّق له بأصل البراءة ( ثمّ ) إن المراد من النصّ المضاف إليه العدم والإجمال والتعارض في الكتاب هو الدليل لا ما يرادف الحديث أو ما يقابل الظاهر كما يدل عليه تمثيله لإجماله وتعارضه بالآية الشريفة وهذا أمر ظاهر كما أن المراد من الإجمال في المقام أعمّ من الإجمال الاصطلاحي فيشمل الإهمال ونحوه ( ثمّ ) إن مثل القول بتواتر القراءات في الحكم بوقوع التعارض بين قراءتي التخفيف والتشديد القول بجواز الاستدلال بكل قراءة وحجيّته على تقدير عدم تواترها على ما عرفت الكلام فيه في الجزء الأول من التعليقة عند البحث عن حجيّة ظواهر الكتاب فالحكم بالإجمال وجعل الآية مثالا لإجمال النص مبنيّ على عدم التواتر وعدم جواز الاستدلال وإلّا فتدخل في تعارض النّصين [ في الاستدلال على حكم ما لا نصّ فيه ] ( قوله ) قدس سره وربما نسب إليهم أقوال أربعة إلى آخره ( 1 ) ( أقول ) قد نسب الأقوال الأربعة إليهم الفريد البهبهاني قدس سره في فوائده وظاهره بل صريحه كونها متمايزة مختلفة بحسب المعنى لا أن يكون اختلافها بمجرّد التعبير من جهة اختلاف ما ركنوا إليه من الأخبار الواردة مع عدم اختلاف بينها بحسب المعنى والمراد كما هو المستظهر منها عند شيخنا قدس سره والظاهر من كلمات الأخباريين عند التأمل [ في دلالة آية الإيتاء على أن الحكم فيما لا نصّ فيه إباحة الفعل شرعا وعدمه وجوب الاحتياط ] ( قوله ) قدس سره قيل دلالتها واضحة وفيه أنها غير ظاهرة فإن حقيقة الإيتاء الإعطاء إلى آخره ( 2 ) ( أقول ) ذكر في الفصول بعد عد الآية في عداد الآيات التي استدل بها على المدّعى أن دلالتها واضحة ولم يذكر في تقريبها شيئا وأنت خبير بأن محتملات الآية كثيرة تدلّ على المدّعى على بعضها ولا تدلّ عليه على بعضها الآخر توضيح ذلك أنه لا يخلو الأمر إما أن يراد من الموصول خصوص المال فيراد من نسبة التكليف إليه بدلالة الاقتضاء دفعه وإنفاقه أو يقدّر الدفع والإنفاق فالمعنى أنه لا يكلف اللّه تعالى نفسا إنفاق مال إلّا إنفاق ما أعطاه من المال فإن كان ممّن وسع اللّه عليه فيكلّف بالإنفاق من سعته وإن كان ممن ضيق عليه في معيشته فلا يكلف بالإنفاق أو يكلّف بقدر مقدوره وهذا هو الظاهر من الآية بملاحظة السياق صدرا وذيلا وإن كان بعيدا من جهة أخرى ستقف عليها أو يراد منه فعل المكلف بالمعنى الأعم من الترك فيكون إيتاؤه وإعطاؤه بمعنى الإقدار عليه فتدل على نفي التكليف بغير المقدور كما في مجمع البيان حيث قال في تفسير الآية الشريفة أي إلا بقدر ما أعطاه من الطّاقة وفي هذا دلالة على أنّه سبحانه لا يكلف أحدا ما لا يقدر عليه ولا يطيقه انتهى كلامه ويحتمل أن يكون إيتاؤه كناية عن الوسع في مقابل الضيق والحرج فتوافق قوله تعالى ولا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها كما جمع بينهما في رواية عبد الأعلى الآتية فيدلّ على نفي التكليف الحرجي وكيف كان هذا المعنى أظهر من الأوّل من جهة عدم توقّفه على التقدير أو التصرف في النسبة مضافا إلى أن كون سياق الآية في مقام التعليل فلا يناسب حملها على المعنى الأول ولا ينافي كون سوقها في مقام الإنفاق لأن الإنفاق من الميسور وممّا أعطاه اللّه من المال داخل في المقدور ومن هنا قال قدس سره وهذا المعنى أظهر وأشمل فيناسب سوقها في مقام التعليل بخلاف المعنى الأول فإنه في قوّة التكرار فلا يناسب التعليل أو يراد منه الحكم الشرعي فيكون إيتاؤه وإعطاؤه كناية عن إعلامه فالمعنى بعد التصرّف في النّسبة أو التقدير ضرورة استحالة تعلّق التكليف بالحكم الشرعي بمعنى كونه مكلّفا به أن اللّه لا يكلّف نفسا إطاعة حكم إلا إطاعة حكم أعطاه إلى أعلمه النفوس فتدلّ على عدم لزوم إطاعة الحكم المجهول وهذا معنى دلالتها على البراءة في محل البحث وهذا مع كونه خلاف الظاهر من جهة توقفه على التصرف أو التقدير مضافا إلى منافاته للمورد قد يستشهد له برواية عبد الأعلى المذكورة في الكتاب من حيث إن جوابه عن سؤال التكليف النّاس بالمعرفة بقوله لا على اللّه البيان ظاهر في إرادة الإعلام والبيان من الإيتاء في الآية التي استشهد عليه السلام بها لكنّه ضعيف من حيث إن المعرفة قبل تعريف اللّه تعالى ولو بدلالة العقول وإرشادها من اللّه تعالى حيث إن العقل حجة باطنيّة من اللّه تبارك وتعالى غير مقدور فيدخل في المعنى الثاني ولو أريد من البيان ما يشمل المودع في النفوس من اللّه تعالى من الفطرة الجبليّة عمّ السؤال لمعرفة الإجماليّة مطلقا وإلا فيحمل على المعرفة التفصيليّة بحسب الطاقة البشريّة ويحتمل أن يكون المراد المعرفة بحال حجج اللّه تعالى ومعلوم أن معرفتهم غير مقدور من دون بيان اللّه تعالى بإظهار خوارق العادات الدّالة على صدقهم وكونهم أدلاء على صراطه وحججا على خلقه وقد أطلق المعرفة المطلقة على هذا المعنى في بعض الأخبار ولا يأبى عنه الحديث أيضا وأمّا حمل المعرفة على معرفة اللّه تعالى بكنهه الغير المقدور لكل أحد وجعل قوله عليه السلام لا على اللّه البيان على مجرّد التقدير والفرض فهو كما ترى أو يراد منه المعنى الأعم من الفعل والحكم فيراد من الإيتاء باعتبار نسبته إلى الفعل الإقدار وباعتبار ونسبته إلى الحكم الإعلام لأن إعطاء كل شيء بحسبه فقد أورد الأستاذ العلامة قدس سره عليه بأنه موجب لاستعمال الموصول في المعنيين ولعل المراد استعماله في المعنيين باعتبار صلته وإلا فيتوجّه عليه الإشكال جزما بل قد يتأمّل فيما أفاده بالنسبة إلى الصّلة أيضا من أن الإيتاء بمعنى الإعطاء جامع بين المعنيين بل المعاني والاختلاف إنما يحصل بحسب متعلّقاته