ميرزا محمد حسن الآشتياني

101

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

مما لا بدّ منه وليس محلّا للإنكار فإذا خالف حكم العقل في المقام وكان ما ارتكبه من بعض أطراف الشبهة حراما في الواقع يترتب عليه استحقاق العقوبة على مخالفته بالنسبة إلى الواقع فلو انكشف حرمته لغيره وكان المرتكب العالم إجمالا جاهلا حكم باستحقاقه العقوبة على فعله وإن لم يحكم بذلك من حيث جهله وفي المسألة المفروضة لما كان أصل المطلب ثابتا واقعا وفي نفس الأمر فإن قلنا بحكومة العقل في المسألة كما عليه العدلية صحّ عقاب تارك الشكر لإتمام الحجّة عليه من جهة دلالة عقله على ذلك وإن لم نقل بحكومته كما عليه الأشاعرة لم يجز للشارع مؤاخذته على ترك الشكر فهذه ثمرة حكومة العقل في مقابل عدمها وأين هذا ممّا ذكرنا ونظيره ما قيل في مسألة وجوب النظر في معجزة من يدّعي النبوّة مع ثبوتها في نفس الأمر فإن ثمرة حكومة العقل بوجوبه من جهة حكمه إرشادا بوجوب دفع الضرر المحتمل استحقاق عقاب تارك النظر مع بلوغ دعوة النبيّ إليه واحتمال صدقه في دعوته من حيث تمامية الحجة في حقه وهكذا الأمر في الحكم باستحقاق مطلق الجاهل المقصّر في الفحص عن الواقع الثابت في نفس الأمر بعد البناء على إلزام العقل الفحص عليه [ في أن وجوب الاجتناب في الشبهة المحصورة موقوف على تنجيز التكليف على كلّ تقدير ] ( قوله ) الثالث وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين إنّما هو مع تنجّز التكليف إلى آخره ( 1 ) ( أقول ) ما أفاده من اشتراط تنجّز الخطاب الإلزامي المعلوم بالإجمال بالنسبة إلى كل من المشتبهين أو المشتبهات في الشبهة المحصورة واعتباره في الحكم بوجوب الاحتياط مما لا إشكال فيه ولا شبهة تعتريه في الجملة توضيح ذلك أن المراد به كما يفصح عنه كلامه صحّة توجّه الخطاب الفعلي بالاجتناب عن الحرام المعلوم وجوده بين الشبهتين بتحقّقه في ضمن كلّ منهما بالخصوص بحيث لو فرض العلم التفصيلي بحرمته توجّه الخطاب بالاجتناب عنه فعلا من دون الاشتراط بشيء على ما هو المراد بالفعلية والتنجّز بقول مطلق ومن المعلوم عند كل أحد حكم العقل بمعذورية الجاهل بالواقع تفصيلا مع العلم بانتفاء الخطاب على الوجه المذكور مع العلم الإجمالي بوجود الحرام ضرورة تبعيّة حكم العقل بوجوب الإطاعة وحرمة المعصية للخطاب الفعلي المتوجّه إلى المكلّف من المولى لا مجرّد العلم بوجود المنهي عنه كيف ما اتفق ولو لم يستتبع العلم بتوجّه الخطاب إلى المكلّف على كل تقدير فمع انتفاء الاستتباع المذكور يكون حكم العقل بوجود الحرام حكم الشكّ في أصل التكليف فيحكم العقل بقبح المؤاخذة على مخالفة الواقع لو اتفقت فيكون العلم الإجمالي بوجود الحرام بين المشتبهين والحال هذه كالشك في أصل وجوده فيحكم فيه بالرجوع إلى أدلة البراءة كما يحكم بالرّجوع إليها مع الشك فيه فقد ظهر مما ذكرنا أنه يصحّ القول بأن العلم الإجمالي بوجود الحرام بقول مطلق لا يوجب إلزاما في حكم العقل والشرع على المكلف في جميع موارد وجوده بحيث يؤثّر في رفع عذره في مخالفة الواقع على تقدير المصادفة ويصير بيانا للتكليف مانعا عن الرجوع إلى البراءة فقد تبين أن المدار على فعليّة التكليف وتنجّزه على تقدير وجوده لا على العلم بوجود متعلّقه كيف ما اتّفق فقد لا يكون علم بالتكليف أصلا ويحكم بثبوت العقاب على مخالفة الواقع لو اتفقت وبعدم جواز الرجوع إلى البراءة وإن كان موردا لها في نفسه كما في موارد الشك في التكليف في الشبهات الحكميّة قبل الفحص المعتبر عنه ومن هنا حكمنا بعقاب الجاهل المقصّر على مخالفة الواقع مع شكّه في التكليف بل ومع علمه بعدمه فضلا عن شكّه فيه وهذا مع وضوحه قد تقدّم القول فيه وسيتلى عليك شرحه في خاتمة هذا الجزء عند الكلام في شروط البراءة وقد يكون هناك علم ويحكم بكون وجوده كعدمه [ في أن انتفاء التّنجز يتحقّق بأمور ] ( ثمّ ) إن انتفاء التنجّز والفعليّة بالمعنى الذي عرفته يتحقّق على ما يفصح عنه كلام شيخنا في المقام بأمور ( أحدها ) وهو أظهرها وأوضحها أن لا يكون للمعلوم بالإجمال والعلم المتعلّق به بالنسبة إلى خصوص أحد المشتبهين على فرض العلم بوجوده في ضمنه وصدقه عليه وانطباقه معه تأثير في إحداث الخطاب أصلا لا مطلقا ولا مشروطا وهذا في كلّ مورد فرض فيه قبل العلم الإجمالي العلم التفصيلي بحرمة واحد معيّن من المشتبهين مع كون الحرام المعلوم بالإجمال من جنسه بحيث لا أثر له على تقدير انطباقه مع المعلوم بالتفصيل أو نجاسة واحد معيّن منهما مع فرض القول بعدم تأثير النجس في النجس أو في المتنجّس مع كونهما من جنس واحد أو مطلقا كما لو علم بوقوع قطرة من البول في أحد الإناءين أحدهما بول بخصوصه أو متنجّس بالبول أو في أحد ثوبين أحدهما بالخصوص متنجّس بالبول بتمامه أو أحد موضعين من الأرض أحدهما نجس بخصوصه إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة أو فرض فيه عدم تأثيره في أحدهما بالخصوص من جهة انتفاء شرط من شروط التأثير أو وجود مانع بالنسبة إليه من التأثير كما إذا علم بوقوع قطرة من البول في أحد إناءين أحدهما كثير لا ينفعل بها أو جار مثلا إلى غير ذلك من الأمثلة ولك أن تجعل الضابط ما ذكرنا أخيرا وترجع الأول إليه بنحو من الإرجاع والوجه في التقييد بالخصوصيّة في مسألة النجاسة ظاهر حيث إنه مع انتفاء الخصوصيّة يجب الاجتناب عن المشتبهين ولو من جهة العلم الإجمالي السابق وأما في مسألة عدم الانفعال بالنسبة إلى بعض الأطراف فهو عدم الالتفات إلى احتمال وجود المانع عن تأثير مقتضى الانفعال وهو الملاقاة فغاية ما يفرض هناك على تقدير حصول العلم تفصيلا بوقوع النجس في كل واحد من الإناءين احتمال كونه كرا أو جاريا وهو مما لا يلتفت إليه سيّما في المسبوق بعدم الكرية والجريان على المحلّ بعدم التنويع في الماء فتأمل نعم على القول باعتبار إحراز القلّة في تأثير الملاقاة بالانفعال على ما ذهب إليه غير واحد من الأصحاب كان التقييد المذكور في غير محلّه وإن هو إلا نظير ماء واحد لاقاه نجس مع الشكّ في جريانه وكرّيته في زمان الملاقاة مع عدم سبقه بالقلّة فتدبّر ( ثانيها ) أن لا يكون له تأثير في إحداث الخطاب المطلق بالنسبة إلى بعض الأطراف بخصوصه على تقدير العلم بوجوده في ضمنه تفصيلا وإن كان له تأثير في إحداث الخطاب المشروط بالنسبة إليه فيرجع الشكّ بالنسبة إلى الطرف الآخر إلى الشكّ في أصل التكليف من جهة عدم قدرته عقلا على الاجتناب عن بعض أطراف الشبهة بخصوصه من حيث عدم قدرته على ارتكابه فإنه يقبح عقلا النهي عن ارتكابه على وجه الإطلاق بعد فرض انتفاء القدرة العقلية ضرورة اشتراط جميع التكاليف بالقدرة