المقريزي
13
إمتاع الأسماع
الموت أو يجعل الله لهن سبيلا واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما ( 1 ) . فكانت عقوبة المرأة : الحبس في البيت وعدم الإذن لها بالخروج منه وعقوبة الرجل التأنيب والتوبيخ بالقول والكلام ثم نسخ ذلك بقوله تعالى : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) ( 2 ) . ويظهر أن هذه العقوبة كانت في أول الإسلام نمن قبيل التعزير لا من قبيل الحد بدليل التوقيت الذي أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى : ( حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ) وقد استبدلت بهذه العقوبة عقوبة أشد هي الجلد للبكر والرجم للزاني المحصن وانتهى ذلك الحكم المؤقت إلى تلك العقوبة الرادعة الزاجرة . خرج مسلم ( 3 ) وأبو داود ( 4 ) والترمذي ( 5 ) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله تبارك وتعالى عنه أنه قال : كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه
--> ( 1 ) النساء : 15 - 16 والمراد بالفاحشة جريمة الزنى وسميت فاحشة لأنها فعلة قد زادت في القبح على كثير من القبائح المنكرة قال تعالى ( ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا ) ( الإسراء : 32 ) . ( 2 ) النور : 2 . ( 3 ) ( مسلم بشرح النووي ) : 11 / 201 كتاب الحدود باب ( 3 ) حد الزنى حديث رقم ( 1690 ) أما قوله صلى الله عليه وسلم فقد جعل الله لهن سبيلا فإشارة إلى قوله تعالى : ( فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ) فبين النبي صلى الله عليه وسلم إن هذا هو ذلك السبيل . واختلف العلماء في هذه الآية فقيل هي محكمة وهذا الحديث مفسر لها وقيل : هي منسوخة بالآية التي في أول سورة النور وقيل : إن آية النور في البكرين وهذه الآية في الثيبين . وأجمع العلماء على وجود جلد الزاني البكر مائة ورجم المحصن وهو الثيب ولم يخالف في هذا أحد من أهل القبلة إلا ما حكى القاضي عياض وغيره عن الخوارج وبعض المعتزلة كالنظام وأصحابه فإنهم لم يقولوا بالرجم واختلفوا في جلد الثيب مع الرجم فقالت طائفة : يجب الجمع بينهما فيجلد ثم يرجم وبه قال علي بن أبي طالب رضي الله تبارك وتعالى عنه والحسن البصري وإسحاق بن راهويه وداود وأهل الظاهر وبعض أصحاب الشافعي وقال جمهور العلماء : الواجب الرجم وحده وحكى القاضي عن طائفة من أهل الحديث أنه يجب الجمع بينهما إذا كان الزاني شيخا ثيبا فإن كان شابا اقتصر على الرجم وهذا مذهب باطل لا أصل له وحجة الجمهور أن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر على رجم الثيب في أحاديث كثيرة منها قصة ماعز وقصة المرأة الغامدية وفي قوله صلى الله عليه وسلم واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها قالوا : وحديث الجمع بين الجلد والرجم منسوخ فإنه كان في أول الأمر . وأما قوله صلى الله عليه وسلم في البكر : ونفي سنة ففيه حجة للشافعي والجمهور : أنه يجب نفيه سنة رجلا كان أو امرأة وقال الحسن لا يجب النفي وقال مالك والأوزاعي : لا نفي على النساء وروي مثله عن علي رضي الله تبارك وتعالى عنه وقالوا : لأنها عورة وفي نفيها تضييع لها وتعريض لها للفتنة ولهذا نهيت عن المسافرة إلا مع ذي محرم وحجة الشافعي قوله صلى الله عليه وسلم : البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة وأما العبد والأمة ففيهما ثلاثة أقوال للشافعي : أحدهما : يغرب كل واحد منهما لظاهر الحديث وبهذا قال سفيان الثوري وأبو ثور وداود وابن جرير . والثاني : يغرب نصف سنة لقوله تعالى ( فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) وهذا أصح الأقوال عند أصحابنا وهذا الآية مخصصة لعموم الحديث والصحيح عند الأصوليين جواز تخصيص السنة بالكتاب لأنه إذا جاز تخصيص الكتاب بالكتاب فتخصيص السنة به أولى . والثالث : لا يغرب المملوك أصلا وبه قال الحسن البصري وحماد ومالك وأحمد وإسحق لقوله صلى الله عليه وسلم في الأمة إذا زنت : فليجلدها سيدها ولم يذكروا النفي لأن نفيه يضر سيده مع أنه لا جناية من سيده وأجاب أصحاب الشافعي عن حد الأمة إذا زنت أنه ليس فيه تعرض لنفي والآية ظاهرة في وجوب النفي فوجب العمل بها وحمل الحديث على موافقتها والله تبارك وتعالى أعلم . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : البكر بالبكر والثيب بالثيب فليس هو على سبيل الاشتراط بل حد البكر الجلد والتغريب سواء زنى ببكر أم بثيب وحد الثيب الرجم سواء زنى بثيب أم ببكر فهو شبيه بالتقييد الذي يخرج على الغالب . واعلم أن المراد بالبكر من الرجال والنساء من لم يجامع في نكاح صحيح وهو حر بالغ سواء كان جامع بوطء شبهة أو نكاح فاسد أو غيرهما أو لا والمراد بالثيب من جامع في دهره مرة من نكاح صحيح وهو بالغ عاقل حر والرجل والمرأة في هذا سواء والله تبارك وتعالى أعلم . وسواء في كل هذا المسلم والكافر والرشيد والمحجور عليه لسفه والله تبارك وتعالى أعلم . ( 4 ) ( سنن أبي داود ) : 4 / 569 - 571 كتاب الحدود باب ( 23 ) في الرجم حديث رقم ( 4415 ) . ( 5 ) ( سنن الترمذي ) : 4 / 32 كتاب الحدود باب ( 8 ) ما جاء في الرجم على الثيب حديث رقم ( 1434 ) قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم علي بن أبي طالب وأبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وغيرهم قالوا الثيب تجلد وترجم وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم وهو قول إسحاق وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر وعمر وغيرهما : الثيب إنما عليه الرجم ولا يجلد وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذا في غير حديث في قصة ماعز وغيره أنه أمر بالرجم ولم يأمر أن يجلد قبل أن يرجم والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد . وأخرجه أيضا ابن ماجة في ( سنن ) : 2 / 853 كتاب الحدود باب ( 7 ) حد الزنا ، حديث رقم ( 2550 ) .