المقريزي
351
إمتاع الأسماع
مرجع أبي سفيان إلى مكة وما قيل له وكانت قد طالت غيبته ، واتهمته قريش أنه قد أسلم . فلما دخل على هند ليلا قالت : لقد حبست حتى اتهمك قومك ! فإن كنت مع طول الإقامة جئتهم بنجح ، فأنت الرجل ! ثم دنا منها فجلس منها مجلس الرجل من امرأته ، فجعلت تقول : ما صنعت ؟ فأخبرها الخبر وقال : لم أجد إلا ما قال لي علي ! فضربت برجليها في صدره ، وقالت : قبحت من رسول قوم ! وأصبح فحلق رأسه عند إساف ونائلة ( 1 ) ، وذبح لهما ومسح بالدم رؤوسهما ، وقال : لا أفارق عبادتكما حتى أموت على ما مات عليه أبي . وقالت له قريش : ما وراءك ؟ هل جئتنا بكتاب من محمد ، أو زيادة في مدة أمانا من أن يغزونا ؟ فقال : والله لقد أبى علي ، ولقد كلمت أصحابه عليه فما قدرت على شئ منهم ، إلا أنهم يرموني بكلمة واحدة . إلا أن عليا قد قال - لما ضاقت بي الأمور - : أنت سيد كنانة ، فأجر بين الناس ! ! فناديت بالجوار ، ثم دخلت على محمد فقلت : إني قد أجرت الناس ، وما أظن أن ترد جواري ! فقال : أنت تقول ذلك يا أبا سفيان ! ! لم يزدني على ذلك . قالوا : ما زاد على أن تلعب بك تلعبا ! ! قال : والله ما وجدت غير ذلك . جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم للفتح ولما ولى أبو سفيان راجعا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها : جهزينا وأخفي أمرك . وقال عليه السلام : اللهم خذ من قريش الأخبار والعيون حتى نأتيهم ( 2 ) بغتة ، ( وفي رواية : اللهم خذ على أبصارهم فلا يروني إلا بغتة ، ولا يسمعون بي إلا فجأة ) . وأخذ صلى الله عليه وسلم بالأنقاب ( 3 ) ، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يطوف عليها ويقول : لا تدعوا أحدا يمر بكم تنكرونه إلا رددتموه . وكانت الأنقاب مسلمة ، إلا من سلك إلى مكة فإنه يتحفظ به ويساءل عنه .
--> ( 1 ) إساف ونائلة من أصنام المشركين . ( 2 ) في ( خ ) " تأتيهم " . ( 3 ) الأنقاب : جمع نقب وهو الطريق بين الجبلين .