المقريزي
343
إمتاع الأسماع
ولما أخذ خالد الراية قال صلى الله عليه وسلم : الآن حمي الوطيس ( 1 ) . دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل جعفر بن أبي طالب ودخل صلى الله عليه وسلم على أسماء بنت عميس ( 2 ) امرأة جعفر بن أبي طالب فقال : يا أسماء أين بنو جعفر ؟ فجاءت بهم إليه ، فضمهم إليه وشمهم ، ثم ذرفت عيناه فبكى ، فقالت : أي رسول الله لعله بلغك عن جعفر شئ ؟ فقال : نعم ، قتل اليوم ! فقامت تصيح ، واجتمع إليها النساء فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يا أسماء لا تقولي هجرا ( 3 ) ، ولا تضربي صدرا . وخرج حتى دخل على ابنته فاطمة عليها السلام وهو يقول : وا عماه ! وقال ( 4 ) . على مثل جعفر فلتبك ( 5 ) الباكية ! ثم قال : اصنعوا لآل جعفر طعاما ، فقد شغلوا عن أنفسهم اليوم . وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نعى لأسماء جعفرا ، مسح على رأس عبد الله بن جعفر ، وعيناه تهراقان الدموع حتى لحيته تقطر ( 6 ) ، ثم قال : اللهم إن جعفرا قد قدم إلي أحسن الثواب ، فاخلفه ( 7 ) في ذريته بأحسن ما خلفت أحدا من عبادك في ذريته ! ثم قال : يا أسماء ، ألا أبشرك ؟ قالت : بأبي أنت وأمي ! قال : فإن الله جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة ! قالت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ! فأعلم الناس ذلك . خطبته في أمر جعفر فقام ، وأخذ بيد عبد الله بن جعفر ، يمسح بيديه رأس عبد الله حتى رقي المنبر ، وأجلس عبد الله أمامه على الدرجة السفلى ، والحزن يعرف عليه ، فتكلم وقال : إن المرء كثير بأخيه وابن عمه . ألا إن جعفرا قد استشهد ، وقد جعل الله له جناحين يطير بهما في الجنة ، ثم نزل ، ودخل بيته وأمر بطعام يصنع لآل جعفر ، وأرسل إلى أخي عبد الله بن جعفر فتغديا عنده : شعيرا طحنته سلمى خادمه ، ثم نسفته ( 8 ) ثم أنضجته . وأدمته بزيت ، وجعلت عليه فلفلا . وأقاما ثلاثة أيام في
--> ( 1 ) كناية عن شدة الحرب واحتدامها . ( 2 ) في ( خ ) " عميش " . ( 3 ) الهجر : الإفحاش . ( 4 ) في ( خ ) " فقال " . ( 5 ) في ( خ ) " فتبكي " . ( 6 ) في ( خ ) " حتى تقطر لحيته " وهي رواية ( الواقدي ) ج 2 ص 767 وما أثبتناه من ( ط ) . ( 7 ) خلف الله عليك : دعاء لمن هلك له ما لا يعتاض وأخلف الله عليك : دعاء لمن هلك له ما يتعتاض عنه . ( 8 ) نسفته : أذهبت نسافته وقشره .