المقريزي
299
إمتاع الأسماع
نادى مناديه : من كان عنده بقية زاد فلينثره على الأنطاع . فكان منهم من يأتي بالتمرة الواحدة وأكثرهم لا يأتي بشئ ، ويؤتى بالكف من الدقيق والكف من السويق ، وذلك كله قليل . فلما اجتمعت أزوادهم وانقطعت موادهم مشى صلى الله عليه وسلم إليها فدعا فيها بالبركة ، ثم قال : قربوا بأوعيتكم . فجاءوا بأوعيتهم ، فكان الرجل يأخذ ما شاء من الزاد حتى إن أحدهم ليأخذ ما لا يجد له محملا . المطر ثم أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحيل ، فلما ارتحلوا مطروا ما شاءوا وهم صائفون ، فنزل ونزلوا معه فشربوا من ماء السماء ، وقام صلى الله عليه وسلم فخطبهم . فجاء ثلاثة نفر ، فجلس اثنان وذهب واحد معرضا ، فقال صلى الله عليه وسلم : ألا أخبركم خبر الثلاثة ؟ قالوا : بلى ، يا رسول الله ! قال : أما واحد فاستحيا فاستحيا الله منه ، وأما الآخر فتاب فتاب الله عليه ، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه . سؤال عمر وسكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جوابه ، ونزول سورة الفتح وبينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأله فلم يجبه ، ثم سأله فلم يجبه ، ثم سأله فلم يجبه ، فقال : ثكلتك أمك يا عمر ! بدرت ( 1 ) رسول الله ثلاثا ، كل ذلك لا يجيبك ! وحرك بعيره حتى تقدم الناس ، وخشي أن يكون نزل فيه قرآن ، فأخذه ما قرب وما بعد : لمراجعته بالحديبية وكراهته القضية . وبينا هو يسير مهموما متقدما على الناس ، إذا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي : يا عمر بن الخطاب ! فوقع في نفسه ما الله به أعلم ، ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ، فرد عليه السلام وهو مسرور ثم قال : أنزلت علي سورة هي أحب مما طلعت عليه الشمس . فإذا هو يقرأ : ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) ( 2 ) ، فأنزل الله في ذلك سورة الفتح ، فركض الناس وهم يقولون : أنزل على رسول الله ! حتى توافوا عنده وهو يقرؤها . ويقال : لما نزل جبريل عليه
--> ( 1 ) في ( خ ) " نذرت " وأيضا في ( الواقدي ) ج 2 ص 617 ، وفي ( ط ) بدرت : بمعنى عجلت إليه . ( 2 ) أول سورة الفتح .