المقريزي

215

إمتاع الأسماع

منه يا رسول الله ، إن يك من الأوس آتيك برأسه ، وإن يك من إخواننا الخزرج فمرنا بأمرك يمضي لك . فقام سعد بن عبادة - وقد غضب منه - فقال : كذبت لعمر الله ، لا تقتله ولا تقدر ( 1 ) على قتله . فقال أسيد بن حضير : كذبت ، والله ليقتلنه وأنفك راغم . وكادت تكون فتنة ، فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى الأوس والخزرج أن اسكتوا ، ونزل عن المنبر ، فهدأهم وخفضهم حتى انصرفوا . دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة وحديثهما ودخل على عائشة - وقد مكث شهرا قبل ذلك لا يوحى إليه في شأنها - فتشهد ثم قال : أما بعد يا عائشة ، فإنه بلغني كذا وكذا ، فإن كنت بريئة يبرئك الله ، وإن كنت ألممت بشئ مما يقول الناس فاستغفري الله عز وجل ، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه . فقالت لأبيها : أجب عني رسول الله . قال : والله ما أدري ما أقول وما أجيب به عنك ! فقالت لأمها : أجيبي عني . فقالت : والله ما أدري ما أجيب به . فقالت : إني والله قد علمت أنكم سمعتم بهذا الحديث ، فوقع في أنفسكم فصدقتم به ! فلئن قلت لكم إني بريئة ( 2 ) لا تصدقوني ، ولئن اعترفت لكم بأمر يعلم الله أني منه بريئة لتصدقنني ، وإني والله ما أجد لي مثلا إلا أبا يوسف إذ يقول : ( فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ) ( 3 ) ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : ما أعلم أهل بيت من العرب دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر ، والله ما قيل لنا هذا في الجاهلية حيث لا نعبد ( 4 ) الله ، فيقال لنا في الإسلام ! وأقبل عليها مغضبا فبكت . نزول القرآن ببراءة عائشة فغشي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يغشاه وسجي ( 5 ) بثوبه ، وجمعت وسادة من أدم تحت رأسه ، ثم كشف عن وجهه وهو يضحك ويمسح جبينه وقال : يا عائشة ، إن الله قد أنزل براءتك . فأنزل الله تعالى : ( إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي

--> ( 1 ) في ( خ ) " يقتله ولا يقدر " . ( 2 ) في ( خ ) " برية " . ( 3 ) آية 18 / يوسف . ( 4 ) في ( خ ) " لا يعبد " . ( 5 ) سجى : غطى .