السيد الخوئي

794

غاية المأمول

وإلغاء خصوص مورد التعارض لا معنى له ، لأنّ كذب أحدهما لا يتبعّض فيكون كذبا بالإضافة إلى مورد الاجتماع وصدقا بالإضافة إلى مورد الافتراق فلا يمكن أن تجري فيه أحكام المتعارضين لذلك . ومن هنا فصّل الميرزا النائيني قدّس سرّه فألغى المرجّحات السنديّة فلم يرجّح بها ولكنّه رجّح بالمرجّحات الدلاليّة والجهتيّة فألغى المرجّحات بصفات الراوي وبالشهرة ، ولكنّه رجّح بموافقة الكتاب ومخالفة العامّة في العموم من وجه بدعوى ظهور المرجّحات السنديّة في المتكاذبين بجميع مدلولهما بخلاف غيرهما كما في المقام ، فإنّه يمكن أن يكون التصريح بعموم أحد العمومين ، كان للتقيّة أو غير مراد جدّا « 1 » . ولا يخفى ما فيه ، فإنّ تسمية بعض المرجحات بالسنديّة ، وأخرى بالدلاليّة ، والثالثة بالجهتيّة اصطلاح خاصّ للمتأخّرين من الاصوليّين وليس له ذكر في الأخبار أصلا ، وحينئذ فجاز أن تكون المرجّحات كلّها صدوريّة أو كلّها دلاليّة ، وحينئذ فإذا كان عموم أخبار التعارض شاملا للمتعارضين بنحو العموم من وجه سرت فيه جميع المرجّحات وإلّا فلا يجري واحد منها أصلا . وقبل الخوض فيما هو المختار في المقام نقدّم مقدّمة تمهيديّة هي أنّ الأحكام تارة تكون ثابتة للدالّ وأخرى للمدلول ، فمن الأوّل الكذب فإنّه حكم ثابت للدالّ بحسب الظاهر ، فإنّ من قال : جاء العلماء ، ولم يجيء واحد منهم ، لا يحكم عليه بأنّه كذب خمسين كذبة إذا كان عدد العلماء خمسين ، ولا يعاقب من الشارع بخمسين عقابا ، وإنّما يعاقب بعقاب واحد ويعدّ كاذبا كذبة واحدة ، وهذا بخلاف الغيبة فإنّ من اغتاب جماعة فقال : هؤلاء فسّاق مثلا ، عدّ مغتابا لكلّ واحد واحد منهم ويعاقب بعقابات متعدّدة لكلّ واحد منهم ، ولا بدّ أن يستوهب من كلّ فرد لو أراد التوبة .

--> ( 1 ) فوائد الأصول 4 : 794 .