السيد الخوئي
404
غاية المأمول
وأمّا جريان الاستصحاب لجريان البراءة فقد عبّر عنه الشيخ الأنصاري قدّس سرّه : - تارة باستصحاب عدم وجوب الجزء المشكوك ، بمعنى أنّا نعلم بتوجّه التكليف إلى الركوع والسجود والقراءة وغيرها من الأجزاء القطعيّة ونشكّ في توجّه التكليف بالسورة بعد أن لم يكن فالاستصحاب يقضي بالعدم . - وأخرى باستصحاب عدم التكليف بالمركّب من السورة وغيرها ؛ لأنّه في زمن ما لم يكن التكليف بالمركّب يقينا فيستصحب عدمه . - وثالثة باستصحاب عدم لحاظ المولى حين التكليف للسورة « 1 » . ولا يخفى أنّ هذا التقرير الأخير لعلّه من طغيان القلم ؛ لأنّ عدم اللحاظ ليس حكما شرعيّا ولا له أثر شرعي ، فلا معنى لتعبّد الشارع بالأصل فيه . وأمّا الوجهان الآخران فإن قلنا بمقالة النائيني من أنّ استصحاب عدم الجعل لا يثبت عدم المجعول إلّا بالأصل المثبت « 2 » فلا يجدي حينئذ ، وإن قلنا بأنّه ليس بمثبت وأنّ عدم الجعل معناه عدم المجعول - كما هو الحقّ وقد تقدّم - فيجري الاستصحاب ويثبت به البراءة الشرعيّة ، ولا حاجة حينئذ إلى أصالة البراءة لجريان الاستصحاب ، إلّا أنّ الظاهر بعد استحالة الإهمال في الواقعيّات فالأمر المعلوم توجّهه نحو المكلّف إمّا أن يكون بالمجموع بنحو يشمل الجزء المشكوك أو بنحو لا يشمله فهما نحوان متباينان ، وحينئذ فاستصحاب عدم الأكثر معارض باستصحاب عدم الأقلّ فلا مجرى للاستصحاب من جهة تحقّق المعارضة ، فلا مجال إلّا لجريان البراءة من التقييد الغير المعارضة بجريان البراءة من الإطلاق لما مرّ . هذا تمام الكلام في جريان البراءة في الشكّ في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين وقد تقرّر أنّه مجرى البراءة العقليّة والشرعيّة وأنّه لا معنى للتفكيك بينهما ، فإن اخترنا عدم جريان البراءة العقليّة فلا بدّ من عدم جريان البراءة الشرعيّة أيضا .
--> ( 1 ) انظر فرائد الأصول 2 : 336 - 337 . ( 2 ) انظر أجود التقريرات 3 : 506 .