السيد الخوئي

357

غاية المأمول

حينئذ ، لكن إذا لم يخرج بعض الأطراف مع الكثرة عن محلّ الابتلاء لا يكون ثمّة مؤمّن لارتكاب محتمل الحرمة أو ترك محتمل الوجوب أصلا كما بيّنّا . وما يقال : من قيام الإجماع على عدم تنجيز العلم الإجمالي حيث تكون الشبهة غير محصورة ، فلا يخفى عليك ما فيه : أمّا أوّلا : فليست هذه المسألة محرّرة في كلمات قدماء الأصحاب حتّى يتحقّق الإجماع ، وإنّما هي حادثة في ألسن المتأخّرين . وأمّا ثانيا : فلو سلّم الإجماع فهو لا يكشف عن قول المعصوم عليه السّلام ، إذ لعلّ اتّفاقهم إمّا من جهة غلبة اتفاق خروج بعض أطرافها عن محلّ الابتلاء ، وإمّا من جهة ضعف احتمال التكليف حتّى كان موهوما ، وإمّا من جهة أنّها يمتنع فيها المخالفة القطعيّة عادة . فظهر أنّ الإجماع غير مسلّم وعلى تقديره فتقييدي . وكذا ما يقال : من أنّ أدلّة العسر والحرج ورفعهما يكفي في عدم التنجيز ، فإنّ العسر والحرج يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان أوّلا . ولا يرفع إلّا ما كان حرجيّا وهو مثلا تكرير محتمل الوجوب أربعين مرّة لا أربع مرّات أو مرّتين ومرادنا في التنجيز عدم حرمة ترك الواحد أيضا ثانيا . مع أنّه لا يمكن للفقيه أن يحكم بعنوان محصورة أو غير محصورة لعدم كون الحكم لذلك العنوان . نعم ، لو كان الحرج علّة تشريع كما في طهارة الحديد فلا يضرّه التخلّف في بعض الموارد ، لأنّ الحكمة لا تدور مدار الحكم الفعلي . وربّما استدلّ بعضهم ( النائيني قدّس سرّه ) على عدم تنجيز العلم الإجمالي حيث تكون أطرافه غير محصورة برواية الجبن المعروفة الّتي يقول الإمام فيها : « من أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم ما في الأرض جميعا ؟ » « 1 » . حيث دلّت بظاهرها على عدم تحريم الجبن بالعلم بجعل الميتة فيه في موضع واحد مع العلم أن لا خصوصيّة للجبن « 2 » .

--> ( 1 ) الوسائل 17 : 9 ، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة ، الحديث 5 . ( 2 ) أجود التقريرات 3 : 473 .