السيد الخوئي
308
غاية المأمول
ولكن هذا الوجه لا تساعده الأدلّة ، إذ ظاهرها النهي - كما ذكرنا - لا الأمر بعنوان بسيط ، فيدور الأمر بين الوجوه الثلاثة المتقدّمة . والظاهر منها هو الوجه الأوّل ، إذ الحكم قد اخذ بنحو القضايا الحقيقيّة ، فالظاهر أنّه كلّما وجد فرد من أجزاء ما لا يؤكل لحمه يتوجّه إليه نهي ، وحينئذ فلو شكّ في فرد أنّه من أفراد ما لا يؤكل لحمه أم لا يشكّ في توجّه النهي إليه فيكون مجرى للبراءة . والظاهر أنّ هذا الوجه قد استظهره جميع الفقهاء لا الوجهين الآخرين ، لحكمهم بأنّ من اضطرّ إلى لبس غير المأكول من أجزاء الحيوان في الصلاة يقتصر على خصوص ما اضطرّ إليه ، فلو اضطرّ إلى ثوب واحد ليس له أن يلبس ثوبين ، وهكذا . وهذا إنّما يتمّ إذا قلنا بكون النهي عن كلّ فرد بنحو العامّ الاستغراقي ، وأمّا إذا قلنا بأنّ النهي نهي عن الطبيعة - كما هو مقتضى الوجه الثاني - أو عن مجموع الأفراد كما هو الوجه الثالث لم يكن لحكمهم بوجوب الاقتصار على خصوص الفرد المضطرّ إليه معنى ، إذ لا دليل حينئذ على النهي عن الفرد الثاني من أفراد غير المأكول . ثمّ إنّا لو قلنا بالوجه الثاني والثالث لقلنا بصحّة الصلاة في اللباس المشكوك أيضا ، غاية ما هناك أنّه يكون أقلّ وأكثر في أقلّ وأكثر ، إذ المانع تردّد بين الأقلّ والأكثر والصلاة أيضا تردّدت بين الأقلّ والأكثر . وحينئذ فالنهي إنّما توجّه نحو مجموع أفراد غير المأكول ، ولم يعلم أنّ هذا المشكوك من أفراده أو عن إيجاد الصلاة في هذه الطبيعة الخاصّة ، ولم يعلم أنّ الصلاة بهذا اللباس صلاة بهذه الطبيعة أم لا ، فيجوز حينئذ الصلاة بذلك اللباس المشكوك ، فافهم . ثمّ إنّا لو تنزّلنا عن جريان البراءة في المقام فهل يمكن جريان الاستصحاب أم لا ؟ فنقول : إنّ المانع عن صحّة الصلاة هل هو لبس المصلّي لجلد غير المأكول بحيث يكون المانع عن صحّة الصلاة وصفا للمصلّي ؟ أو أنّ المانع عن صحّة الصلاة وصف للّباس نفسه بحيث إنّ شرط صحّة الصلاة عدم اتّصاف اللباس بأنّه من غير المأكول فيكون المانع حينئذ وصفا للّباس ؟ أو أنّ المانع عن صحّة الصلاة اتّصاف الصلاة بمقارنتها مع لباس غير المأكول ؟