السيد الخوئي
280
غاية المأمول
بقي هنا أمران يجب التنبيه عليهما : أحدهما : أنّ أوامر الاحتياط هل هي إرشاديّة أو مولويّة فتفيد استحبابه ؟ الثاني : أنّها على تقدير كونها مولويّة فهل تفيد استحبابه لذاته أم تفيد استحبابه مقصودا به الأمر الواقعي ؟ فعلى الأوّل لو أتى به بقصد الاستحباب أجزأ ، وعلى الثاني الاستحباب إنّما تعلّق بإتيانه رجاء لإدراك الواقع فلا بدّ أن يأتي به بذلك الرجاء حتّى يتحقّق الاستحباب بمعنى أن يأتي به بقصد الأمر الواقعي . أمّا الكلام في الأمر الأوّل فنقول : ذهب الميرزا النائيني قدّس سرّه « 1 » إلى كون بعض أوامر الاحتياط أوامر إرشاديّة - وهي ما كان المقصود بها المحافظة على الواقع - لوقوعها في سلسلة معلولات الحكم ، وما يحكم به العقل ويقع في سلسلة معلولات الحكم لا بدّ من كون الأمر الشرعي فيه إرشاديّا . نعم ، لو أدرك العقل شيئا في سلسلة علل الحكم كإدراكه حسن الإحسان وقبح العدوان فهنا لا بدّ أن يكون مولويّا فيحكم الشارع على طبقه بحكم مولوي ، ومثله بعض أوامر الاحتياط الدالّة على حسنه في نفسه لإثبات التورّع النفسي ، بخلاف ما كان في سلسلة المعلولات للحكم كمراتب الامتثال فإنّ الأوامر الاحتياطيّة باعتبار كونها في مرتبة امتثال الحكم كأوامر الإطاعة في لزوم حملها على الإرشاد . نعم ، يمكن أن يكون الأمر بالاحتياط ليس من جهة الامتثال ، بل من جهة أنّ الآتي بشيء لاحتمال الأمر به فهو أولى أن يأتي بالمأمور به الواقعي المعلوم ، والتارك لشيء لاحتمال النهي فهو للمنهيّ عنه المعلوم أشدّ تركا كما ورد : « من ترك ما اشتبه عليه من الإثم فهو لما استبان له أترك » « 2 » فيكون أوامر الاحتياط لمصلحة في نفس الاحتياط ، وهي القوّة النفسيّة المعبّر عنها بالتورّع
--> ( 1 ) أجود التقريرات 3 : 354 . ( 2 ) الوسائل 18 : 118 ، الباب 12 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 22 .