السيد الخوئي
239
غاية المأمول
الثالث : أن يدّعى الاتّفاق على أنّ الحكم الشرعي الظاهري للحكم المجهول هو الترخيص . وهذا الاتّفاق لو تمّ لنفعنا إلّا أنّه غير تامّ ، لأنّ جملة من أساطين علمائنا وهم الأخباريّون قائلون بوجوب الاحتياط في الحكم الشرعي المجهول ، إمّا مطلقا كما هو ظاهر كلام المحدّث الأسترآبادي ، أو في خصوص الشبهة التحريميّة كما هو رأي المشهور منهم ، وحينئذ فلا إجماع . وبالجملة ، فما يجدي من الإجماع ليس بمحقّق ، وما هو محقّق لا يجدي ، فالاستدلال بإجماع لا وجه له . [ الاستدلال بدليل العقل على البراءة ] وأمّا دليل العقل فلا ريب في أنّ الحكم العقلي القطعي قائم على قبح العقاب بلا بيان ، وذلك لأنّ التكليف بما هو هو لا باعثيّة ولا زاجريّة له ، وإنّما الباعثيّة والزاجريّة من تبعات وصول التكليف . فكما أنّ الإرادة والشوق في نفس المولى ليس لهما باعثيّة وزاجريّة إلى الفعل المشتاق إليه المولى ، كذلك حكمه المجعول إن لم يصل إلى المكلّف مع فحصه وتتبّعه بمقدار طاقته لا يكون محرّكا نحو العمل أصلا ، وكذا إذا وصل إلى جماعة ولم يصل إلى آخرين يستحيل عقلا أن يكون محرّكا لمن لم يصل إليهم . ونظيره في العرفيّات كثير فإنّ الإنسان قد يموت من العطش والماء في رحله ، وقد تنهشه الأفعى المتحرّز منها إذا لم يعلم بمماسّتها لبدنه . وبالجملة ، البعث والزجر إنّما هما نتيجة العلم بالباعث والزاجر قطعا ، فإذا كان القصور من جهة المولى في باعثيّته وزاجريّته فالعقل مستقلّ بقبح العقاب بلا بيان . والظاهر أنّ هذا الحكم العقلي ليس محلّا للكلام عند الأخباريّين أصلا ، وإنّما يدّعون أنّ أخبار الاحتياط صالحة للبيان ، فمع وجودها يرتفع موضوع اللّابيان . نعم ، ناقش بعض الاصوليّين في قاعدة قبح العقاب بلا بيان بأنّ هذه القاعدة إن سلّمت فهي معارضة بحكم العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل .