السيد الخوئي
21
غاية المأمول
ويقع الكلام الآن في الناحية الأولى من ناحيتي الجهة الاصوليّة وهي ما إذا كان الاشتباه في تطبيق المنهيّ عنه على الخارج ، كما لو قطع الإنسان بكون زيد في الدار فكذب فقال : ليس زيد في الدار ، ثمّ انكشف أنّه ليس فيها ، وأنّه ليس بكاذب بناء على أنّ الكذب مخالفة الواقع . فالكلام في أنّ دليل تحريم الكذب هل يشمل مقطوع الكذبيّة وإن لم يكن كذبا واقعا فيكون محرّما أم لا ؟ قد زعم الأوّل واستدلّ عليه بدليل مركّب من مقدّمات : الأولى : أنّ التكاليف إنّما تتوجّه نحو المقدور ، إذ لا معنى للحثّ والزجر نحو غير المقدور ، ومن هنا كانت التكاليف الّتي لها متعلّقات في الخارج غير مقدورة يلزم أن يكون متعلّقاتها مفروضة الوجود في الخارج ويكون التكليف متعلّقا بتركها ، مثلا خمريّة الخمر مثلا ليس باختيار المكلّف ، بل هي أمر أجنبيّ عنه لا ربط لها بالتكليف ، والتكليف إنّما يتوجّه بعد فرض وجودها فينهى عن شربها مثلا ولا يمكن النهي عن خمريّة الخمر ، لعدم كونها تحت اختياره . الثانية : أنّ المحرك للإنسان نحو الأشياء الخارجيّة هو علمه بها ، مثلا من علم بوجود الأسد يفرّ عن المكان الّذي يحتمل وجوده فيه ، ومن لم يعلم بوجود الأسد لا يفرّ أصلا . فالمحرّك للإنسان نحو أفعاله الاختياريّة إنّما هو علمه وقطعه ، فمن كان عطشانا وقطع بوجود الماء على يمينه يتحرّك على جهة اليمين لتحصيله وإن لم يكن واقعا ، ومن لم يقطع بوجود الماء لا يتحرّك بل يبقى حتّى يموت عطشا ولو كان الماء قريبا منه جدّا ، فالمحرّك للإنسان إنّما هو قطعه . الثالثة : أنّ المكلّف إنّما يستطيع أن يحرّك العبد نحو اختيار الفعل لا نحو الفعل الاختياري ، وذلك بأن يحرّكه بما يكون محرّكا له وهو قطعه ، فالمولى يحرّك العبد نحو الاختيار بأن يوجد له مقدّماته وهو القطع بالواقع مثلا ، كما يحرّك نفس أعضائه