السيد محسن الخرازي
23
عمدة الأصول
لا يقال : إنّ اختلاف العلماء في الآراء مما يشهد على أنّ اختلاف الفهم من الكلام أمر جائز بل واقع ، فالظنون الشخصيّة حجّة كالقراءات المختلفة . لأنا نقول : ليس اختلاف العلماء في الآراء اختلافا في الظنون الشخصيّة ، بل هو اختلاف في دعوى الظنون النوعية ، ويكون مبنيا على رعاية الظوابط والقواعد الكلّية التي لها مدخلية في الاستظهار والاستنباط والفرق بين هذا الاختلاف والظنون الشخصيّة التي لا تكون مبتنية على رعاية الضوابط والقواعد المدونة واضح . ثم لا يخفى أنّه لا ممانعة من إعمال التعمق الزائد في النصوص والظواهر العرفية لكشف المطالب واستنباط ما يحتاج اليه في كل عصر وزمان ، وإنّما الممانعة من ترتيب الأثر على الظنون الشخصيّة التي لا تكون مبنية على القواعد والأصول العقلائية ؛ إذا لا حجيّة لتلك الظنون ، بل تحميل هذه الظنون الشخصية على النصوص والظواهر الدينية هو التفسير بالرأي الذي نهي عنه أكيدا في الشرع الأنور كما لا يخفى ، مع أنّ اللازم في فهم المعاني هو تخلية الذهن لا مدخلية الذهن ، وكم من فرق بينهما ؟ ! ولعل المنشأ في ذهاب بعض تبعا لجمع من الاوربيين إلى اعتبار الظنون الشخصيّة في زماننا هذا هو التمايل إلى نسبية الحقائق وإنكار ثبوتها ودوامها حيث قالوا : إنّ فهم الإنسان بالنسبة إلى المتون وتفسيرها أو بالنسبة إلى جميع الحقائق فهم نسبيّ ، ومعنى ذلك أنّه ليس لنا فهم قطعي ثابت ؛ لأن الثبوت ينافي النسبية وهو خلاف البداهة والضرورة ؛ إذ لنا معلومات يقينية وضروريّة من العقليّات والشرعيّات . نعم لا يخلو فهم الإنسان عن التكامل ، ولكنه لا ينافي ثبوت أصل الفهم في الجملة ؛ لأنّ المتكامل يحتوي ثبوت أصل الشيء ، وإنّما زادت مراتبه بسبب الشواهد والتعمق فيه والنقض والإبرام . هذا مضافا إلى أنّه لا يخرج الكلام المتكامل عن الظنون النوعيّة كما لا يخفى . على أنّه لو لم يكن فهم الحقائق أمرا ثابتا فلا يمكن الاعتماد على شيء من المطالب حتى الادعاء المذكور ، ولا مجال للبحث ولا للاحتجاج ؛ فإنّ هذه الأمور متوقفة على ثبوت الحقائق .